الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة، فلا تسمع الدعوى عليها، كمن تشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع٢ التصرف٣ من عمارة وخراب وتغيير٤ وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته، فجاء من ادعى أنه غصبها منه، واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى عليه محقة.
هذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه٥، وهو الصواب٦.
قالوا٧: إذا رأينا رجلًا حائزًا لدار متصرفًا فيها مدة سنين طويلة٨ بالهدم والبناء، والإجارة والعمارة٩، وهو ينسبها إلى نفسه، ويضيفها
(١) وفي "ب" و"جـ" و"د": "ورسوله".
(٢) في "أ": "أنواع".
(٣) في "د" و"هـ": "التصرفات".
(٤) "وتغيير" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".
(٥) انظر: المدونة (٥/ ١٩٢)، الذخيرة (١١/ ١٢)، المعونة (٣/ ١٥٨٢)، تبصرة الحكام (٢/ ١٢٥)، القوانين الشرعية (٣٠٩).
(٦) انظر: الاختيارات (٣٤١)، مختصر الفتاوى المصرية (٥٦٩).
(٧) انظر: المدونة (٥/ ١٩٢)، المعونة (٣/ ١٥٨٢)، القوانين (٣٠٩).
(٨) في "أ": "السنين الطويلة".
(٩) "والعمارة": ساقطة من "و".
إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًّا، ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما تتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريًّا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك١، فدعواه غير مسموعة أصلًا، فضلًا عن بينته٢، وتبقى الدار بيد حائزها؛ لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾[الأعراف: ١٩٩]، وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره٣، فكذلك هذا في هذا الموضع، وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم٤ وأصبغ بعشر سنين٥.
(١) في "أ": "بذلك"، وفي "ب" و"هـ": "في ذلك".
(٢) وفي "أ": "يمينه".
(٣) "وغيره" ساقطة من "أ".
(٤) هو عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري المالكي أبو محمد، توفي سنة ٢١٤ هـ، رحمه الله تعالى. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٢٠)، الديباج المذهب (١/ ٤١٩)، شجرة النور الزكية (١/ ٥٩).
(٥) انظر: البيان والتحصيل (١١/ ١٤٥)، القوانين (٣١٤)، منتخب الأحكام =