وفي المسألة قول ثالث، وهو أنه١ لا يقضى بالنكول، ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو إنكار يحلف معه. وهذا قول في مذهب٢ أحمد٣، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي٤، وهذا قول٥ ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا أدعه حتى يقر أو يحلف٦.
واحتج لهذا القول بأن المدعى عليه قد أوجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار، وإما الإنكار، فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى يؤديه٧.
قالوا: وكل من عليه حق، فامتنع من أدائه، فهذا سبيله.
والآخرون فرقوا بين الموضعين، وقالوا: لو ترك ونكوله لأفضى إلى ضياع حقوق الناس بالصبر على الحبس. فإذا نكل عن اليمين
(٥) قوله "في مذهب أحمد وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وهذا قول" ساقط من "و".
(٦) ذكر ابن حزم لابن أبي ليلى قولين هذا أحدهما. المحلى (٩/ ٣٧٧). وانظر: الفروق (٤/ ٩٢)، المغني (١٤/ ٢٣٤).
(٧) انظر: المحلى (٩/ ٣٧٥).
ضعف جانب البراءة١ الأصلية فيه، وقوي جانب المدعي فقوي باليمين، وهذا كأنه لما قوي جانب المدعين للدم باللوث بدئ بأيمانهم، وأكدت بالعدد.
والمقصود: أن الناس اختلفوا في الحكم بالنكول على أقوال:
أحدها: أنه من طرق الحكم. وهذا قول عثمان بن عفان٢﵁، وقضى به شريح٣.
قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سالم بن عبد الله: أن أباه - عبد الله بن عمر - باع عبدًا له بثمانمائة درهم بالبراءة، ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان بن عفان٤، فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله لقد بعته وما به من داء علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد٥. وقال ابن أبي شيبة، عن شريك، عن مغيرة٦، عن الحارث٧، قال: "نكل رجل عند شريح عن اليمين، فقضى عليه، فقال: أنا أحلف، فقال
(١) في "أ": "ضعف للبراءة".
(٢) تقدم تخريجه. وسيذكره المؤلف قريبًا.
(٣) سيأتي تخريج الأثر قريبًا.
(٤) "بن عفان" ساقطة من "أ".
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) مغيرة بن مِقْسم أبو هشام الضبي. قال ابن معين: ثقة مأمون. توفي سنة ١٣٣ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٩٧) سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠).