بردها في مسألة القسامة١، والشاهد واليمين٢، فاقتصرنا على ما جاء به كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ، ولم نعد ذلك إلى غيره، وليس قول أحدٍ حجة سوى المعصوم ﷺ وكل من سواه مأخوذٌ من قوله ومتروك.
وأمَّا قول مالك في "الموطأ"٣ في باب اليمين مع الشاهد في كتاب الأقضية: أرأيت رجلًا ادَّعى على رجلٍ مالًا أليس يحلف المطلوب ما ذلك٤ الحقُّ٥ عليه، فإن حلفَ بطل ذلك عنه، وإن أبى أن يحلف ونكل عن اليمين، حلف طالب الحقِّ: إنَّ حقَّه لحقٌّ، وثبت حقه على صاحبه؟ فهذا ممَّا٦ لا اختلاف فيه عند أحدٍ من النَّاسِ، ولا في بلدٍ من البلدان، فبأي شيءٍ أخذ هذا؟ أم في أي كتابٍ وجده؟ فإذا أقرَّ بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله تعالى" هذا لفظه.
قال أبو محمد ابن حزم٧: إن كان خفي عليه قضاء أهل العراق بالنكول، فإنَّه لعجب٨، ثمَّ قوله: "إذا أقرَّ بردَّ اليمين وإن لم يكن في كتاب الله، فليقرَّ باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن في كتاب
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) (٢/ ٧٢٢)، والاستذكار (٢٢/ ٥٦).
(٤) "ما ذلك" ساقط من "ب".
(٥) "الحق" ساقط من "و".
(٦) في "أ" و"د": "ما".
(٧) المحلَّى (٩/ ٣٨٠).
(٨) في "ب" و"د" و"و": "لعجيب".
الله١ " فعجبٌ آخر؛ لأنَّ اليمين مع الشاهد ثابتٌ عن رسول الله ﷺ فهو في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر: ٧].
قلت: ليس في واحدٍ من الأمرين عجب.
أمَّا حكايته الإجماع فإنَّه لم يقل: لا خلاف أنَّه لا يحكم بالنكول، بل إذا نكلَ وردَّ اليمين، حُكِمَ له بالاتفاق، فإنَّ فقهاء الأمصارِ على قولين٢: منهم من يقول: يقضى بالنكول، ومنهم من يقول: إذا نكل رُدَّت اليمين على المدعي فإن حلفَ حكم له، فهذا الَّذي أراد مالك٣﵀: أنَّه إذا رد اليمين مع نكول المدعى عليه لم يبقَ فيه اختلاف في بلدٍ من البلدان، وإن كان فيه اختلاف شاذ.
وأمَّا تعجبه من قوله: "إنَّ الشاهد واليمين ليس في كتاب الله" فتعجبه هو المتعجب منه، فإنَّ المانعين من الحكم بالشاهد واليمين يقولون: ليس هو في كتاب الله تعالى، بل في كتاب الله٤ خلافه، وهو اعتبار الشاهدين٥، فقال مالك - رحمه الله تعالى -: إذا كنتم تقضون
(١) قوله "فليقر باليمين مع الشاهد وإن لم يكن في كتاب الله" ساقط من "د" و"هـ".
(٢) سبق تفصيله قريبًا، وقد ذكر ابن القيم ﵀ ثلاثة أقوال وسيذكر قولين آخرين آخر الفصل.
(٣) انظر: الاستذكار (٢٢/ ٥٧).
(٤) "بل في كتاب الله" ساقط من "ب".
(٥) في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾[البقرة: ٢٨٢].