المقرض إن كان عالمًا بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا١ يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه؛ إذ خصمه قد لا يكون عالمًا بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالمًا بصحة دعواك فاحلف وخذ، فقد أنصفه جد الإنصاف.
فلا أحسن مما قضى به الصحابة ﵃، وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا٢ - قدس الله روحه - والله أعلم٣.
قال أبو محمد ابن حزم٤، محتجًا لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع وجب٥ عليه، يوجب٦ أيضًا عليه حكمًا، وهو الأدب الذي أمر به رسول الله ﷺ على كل من أتى منكرًا يوجب تغييره باليد٧.
فيقال له: قد يكون معذورًا في نكوله، غير آثم به، بأن يدعي أنه
(١) في "د": "لم".
(٢) انظر: الاختيارات (٣٤٣).
(٣) "والله أعلم" ساقط من "أ".
(٤) المحلَّى (٩/ ٣٨٣).
(٥) "وجب" ساقطة من "أ" و"ب".
(٦) في "د" و"و": "موجب".
(٧) كقوله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم رقم (٧٨) (٢/ ٣٨٠).
أقرضه ويكون قد وفاه، ولا يرضى منه إلا بالجواب على وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف، مخافة موافقة قضاء وقدر، كما روي عن جماعة من السلف١، فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف.
وقولهم: "إن هذا منكر يجب تغييره باليد"٢ كلام باطل، فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر، بل قد يكون واجبًا أو مستحبًّا أو جائزًا، وقد يكون معصية.
وقولهم: "إن الحلف حق قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه"٣. فيقال: إن في اليمين حقًّا له وحقًّا عليه، فإن الشارع مكنه من التخلص من الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين، فقيل: يحبس أو يضرب حتى يقر أو يحلف. وقيل: يقضى عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر بالمدعى٤. وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد٥. وقول رابع بالتفصيل كما تقدم، وهو اختيار
(١) تقدم ذكر بعضهم.
(٢) المحلَّى (٩/ ٣٨٣).
(٣) المحلَّى (٩/ ٣٨٣).
(٤) في "د": بياض قدر خمس كلمات.
(٥) انظر: مسائل أحمد رواية صالح (٢/ ٣٩)، ورواية عبد الله (٢٧٦)، الهداية (٢/ ١٤٦)، المغني (١٤/ ٢٣٣)، الشرح الكبير (٣٠/ ١٣٨)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٤)، الفروع (٦/ ٤٧٨)، كشاف القناع (٤/ ٢٨٦).