وفي المسألة قولٌ خامس: وهو أنَّه إذا كان المدعي متهمًا ردت عليه، وإن لم يكن متهمًا قُضِيَ له٢ بنكول خصمه.
وهذا القولُ يحكى عن ابن أبي ليلى٣، وله حظٌّ من الفقه، فإنَّه إذا لم يكن متهمًا غلب على الظن صدقه، فإذا نكلَ خصمه قوي ظن٤ صدقه، فلم يحتج إلى اليمين، وأمَّا إذا كان متهمًا لم يبقَ معنا إلَّا مجرَّد النكول، فقويناه برد اليمين عليه، وهذا نوعٌ من الاستحسان٥.
فصل
إذا رُدَّت اليمين على المدعي، فهل تكون يمينه كالبينة، أم كإقرار المدعى عليه؟
فيه قولان للشافعي ﵀ أظهرهما عند أصحابه أنَّها كالإقرار٦.
(١) انظر: الاختيارات (٣٤٣).
(٢) في جميع النسخ عدا "د": "عليه".
(٣) انظر: المحلَّى (٩/ ٣٧٧)، الاستذكار (٢٢/ ٥٨).
(٤) "ظن" ساقطة من "أ".
(٥) الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليلٍ شرعي. شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٣١)، وانظر: أصول السرخسي (٢/ ٢٠٤)، المستصفى (١/ ٢٧٤)، المحصول لابن العربي (١٣١)، البلبل في أصول الفقه (١٨٦)، وبه يقول الجمهور عدا الشافعية.
فعلى هذا لو أقام المدعى عليه بينة بالأداء والإبراء بعد ما حلفَ المدعي، فإن قيل: يمينه كالبينة سمعت بينة المدعى عليه١، وإن قيل: هي كالإقرار لم تسمع، لكونه مكذبًا٢ للبينة بالإقرار.
وإذا قُضِيَ بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل؟ فيه وجهان٣، ينبني عليهما ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت، فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل زوجته؟ فإن قلنا: النكولُ إقرار حكم له بكونها زوجته٤، وإن قلنا: بَذْل، لم يحكم بذلك؛ لأنَّ الزوجية لا تباح بالبذل.
وكذلك لو ادعى رق مجهول النسب، وقلنا: يستحلف، فنكلَ عن اليمين.
وكذلك لو ادعى قذفه واستحلفناه فنكل، فهل يحد للقذف؟ ينبني٥ على ذلك.
وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة، فالنكول بَذْلٌ عنده وإقرارٌ عند صاحبيه٦.
= المذهب (٢/ ٣٥١)، شرح عماد الرضا (١/ ١٨٨).
(١) "بينة" ساقطة من "د" و"هـ" و"و".
(٢) في "ب": "مكذبة".
(٣) انظر: المراجع السابقة، والإنصاف (٢٨/ ٤٣٤).
(٤) "فإن قلنا النكول إقرار حكم له بكونها زوجته" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ".
(٥) في "أ" "مبني".
(٦) انظر: بدائع الصنائع (٤/ ٢٢٧)، العناية شرح الهداية (٨/ ١٨٣)، فتح القدير (٨/ ١٨٤).