فعلى هذا لو أقام المدعى عليه بينة بالأداء والإبراء بعد ما حلفَ المدعي، فإن قيل: يمينه كالبينة سمعت بينة المدعى عليه١، وإن قيل: هي كالإقرار لم تسمع، لكونه مكذبًا٢ للبينة بالإقرار.
وإذا قُضِيَ بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل؟ فيه وجهان٣، ينبني عليهما ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت، فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل زوجته؟ فإن قلنا: النكولُ إقرار حكم له بكونها زوجته٤، وإن قلنا: بَذْل، لم يحكم بذلك؛ لأنَّ الزوجية لا تباح بالبذل.
وكذلك لو ادعى رق مجهول النسب، وقلنا: يستحلف، فنكلَ عن اليمين.
وكذلك لو ادعى قذفه واستحلفناه فنكل، فهل يحد للقذف؟ ينبني٥ على ذلك.
وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة، فالنكول بَذْلٌ عنده وإقرارٌ عند صاحبيه٦.
= المذهب (٢/ ٣٥١)، شرح عماد الرضا (١/ ١٨٨).
(١) "بينة" ساقطة من "د" و"هـ" و"و".
(٢) في "ب": "مكذبة".
(٣) انظر: المراجع السابقة، والإنصاف (٢٨/ ٤٣٤).
(٤) "فإن قلنا النكول إقرار حكم له بكونها زوجته" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ".
(٥) في "أ" "مبني".
(٦) انظر: بدائع الصنائع (٤/ ٢٢٧)، العناية شرح الهداية (٨/ ١٨٣)، فتح القدير (٨/ ١٨٤).
قال أصحابه: فلا يستحلف في النكاح والرجعة والفيئة١ والإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود؛ لأنَّ النكول عند أبي حنيفة بذل وهو لا يجري في هذه الأشياء، وعندهما يستحلف؛ لأنَّه يجري مجرى الإقرار، وهو مقبول بها٢.
واحتج من جعله كالإقرار بأنَّ الناكل كالممتنع من٣ اليمين الكاذبة ظاهرًا، فيصير معترفًا بالمدعى؛ لأنَّه لما نكل مع إمكان تخلصه٤ باليمين، دلَّ ذلك على أنَّه لو حلفَ لكان كاذبًا، وذلك دليلٌ على٥ اعترافه، إلَّا أنَّه لما كان دون الإقرار الصريح لم يعمل عمله في الحدود والقود٦.
واحتجَّ من جعله كالبذل، بأنَّا لو اعتبرناه إقرارًا منه٧ يكون كاذبًا في إنكاره، والكذب حرام، فيفسق بالنكول بعد الإنكار، وهذا باطل، فجعلناه بذلًا وإباحة صيانة له٨ عمَّا يقدح في عدالته، ويجعله كاذبًا.
والصحيح: أنَّ النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار