ولا البذل؛ لأنَّ النَّاكل قد صرَّح بالإنكار، وأنَّه لا يستحق المدعى به، وهو مُصِرّ على ذلك، متورع عن اليمين، فكيف يُقال: إنَّه مقرٌّ، مع إصراره على الإنكار، ويُجعل مُكذِّبًا لنفسه؟١.
وأيضًا لو كان مقرًّا لم تسمع منه بينة نكوله بالإبراء والأداء، فإنَّه يكون مكذبًا لنفسه، وأيضًا فإنَّ الإقرار إخبارٌ وشهادة المرء٢ على نفسه، فكيف يجعل مقرًّا شاهدًا على نفسه بسكوته، والبذل إباحة وتبرع، وهو لم يقصد ذلك، ولم يخطر على قلبه، وقد يكون المدعى عليه مريضًا مرض الموت، فلو كان النكول بذلًا وإباحة اعتبر خروج المدعى من الثلث٣.
فتبين أنه لا إقرار ولا إباحة، وإنَّما هو جارٍ مجرى الشاهد والبينة، فإنَّ "البينة" اسمٌ لما يبين الحق، ونكوله - مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى عليه ويتخلص بها٤ من خصمه - دليلٌ ظاهرٌ على صحة دعوى خصمه وبيان أنَّها حق، فقام مقام شاهد القرائن.
فإن قيل: فالنبي ﷺ أجرى السكوت مجرى الإقرار والبذل في حق البكر إذا استؤذنت؟٥.
قيل: ليس١ ذلك نكولًا، وإنَّما هو دليل على الرضا بما استؤذنت فيه؛ لأنَّها تستحي من الكلام ويلحقها العار بكلامها الدَّال على طلبها، فنزل سكوتها منزلة رضاها للضرورة، وها هنا المدعى عليه لا يستحي من الكلام ولا عار عليه٢ فيه فلا يشبه البكر، والله ﷾ أعلم.
فصل
إذا قلنا برد اليمين، فهل ترد بمجرد٣ نكول المدعى عليه أم لا ترد حتَّى يأذن في ذلك؟ ظاهرُ كلام الإمام أحمد أنَّه لا يشترط إذن الناكل٤؛ لأنَّه لما رغب عن اليمين انتقلت إلى المدعي، ولأنَّه برغبته ونكوله عنها - مع تمكنه من الحلف - صار راضيًا بيمين المدعي فجرى ذلك مجرى إذنه، كما أنَّه بنكوله٥ نزل منزلة الباذل٦ أو المقر.
وقال أبو الخطاب: لا ترد اليمين إلَّا إذا أذن فيها النَّاكل؛ لأنَّها من جهته وهو أحقُّ بها من المدعي، ولا تنتقل عنه إلى المدعي إلَّا بإذنه٧.