وروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس قال: "جَاءَ أَعْرَابِي إِلى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي رأَيْتُ الهلالَ، فقالَ: "أتشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله: قالَ: نَعم، قال: أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ؟ قال: نعم، قال: يَا بِلَالُ، أَذَّنْ في النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا"١.
وعنه رواية أُخرى: لا يجب إلَّا بشهادة اثنين٢.
وحجة هذا القول ما رواه النسائي وأحمد وغيرهما عن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه قال: "صُوْمُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتهِ، وَانْسِكُوا٣، فِإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُوا ثَلَاثِيْنَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذوَا عَدْلٍ فصُوْمُوا وَأَفْطِرُوا"٤.
وهذا لا حجة فيه من طريق المنطوق، والمفهوم٥ فيه تفصيل: وهو أنَّه إن كان المشهود فيه هلال شوال، فيشترط شاهدان بهذا النص، وإن كان هلال رمضان كفى واحد بالنصين الآخرين، ولا يقوى ما يتوهم
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: المغني (٤/ ٤١٧)، المحرر (١/ ٢٢٨).
(٣) في "ب" و"د" و"و": "وأمسكوا".
(٤) رواه أحمد (٤/ ٣٢١)، والنسائي (٤/ ١٣٢) رقم (٢١١٦)، وفي الكبرى (٢/ ٦٩) رقم (٢٤٢٦)، والدارقطني (٢/ ١٦٧)، والحارث في مسنده (١/ ٤٠٨) رقم (٤١٦) "بغية الباحث"، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٧٩)، وصححه الألباني - رحمه الله تعالى -. الإرواء (٤/ ١٦) رقم (٩٠٩).
(٥) في طبعة ابن قاسم رحمه الله تعالى: "ومن طريق المفهوم".
من عموم المفهوم على معارضة هذين الخبرين. وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد١، كالإخبارِ٢ عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما.
وقال أبو بكر عبد العزيز٣: إن كان الرَّائي في جماعة لم تقبل إلَّا شهادة اثنين؛ لأنَّه يبعد انفراد الواحد من بين النَّاسِ بالرؤية، فإذا شهد معه آخر: غلب على الظن صدقهما، وإن كان في سفرٍ فقدم٤، قبل قوله وحده، لظاهر الحديث؛ ولأنَّه قد يكون في السفر هو٥ وحده، أو يتشاغل رفقته عن رؤيته، فيراه هو٦.
وقال أبو حنيفة٧: إن كان في السَّماءِ علَّة أو غيم أو غبار أو نحو ذلك، ممَّا يمنع الرؤية قبل٨ شهادة الواحد العدل، والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء، وتقبل فيه شهادة المحدود في القذف إذا تابَ، ولا يشترط فيه٩ لفظ الشهادة.
(١) "الواحد" ساقطة من "هـ".
(٢) "كالإخبار" ساقطة من "ب".
(٣) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد البغدادي أبو بكر المعروف بغلام الخلال. توفي سنة ٣٦٣ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٤٣) طبقات الحنابلة (٣/ ٢١٣)، المنتظم (١٤/ ٢٣٠).
(٤) "فقدم" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ" و"و".
(٥) "هو" ساقطة من "ب".
(٦) انظر: المغني (٤/ ٤١٧)، الفروع (٣/ ١٤).
(٧) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن (٢/ ٢٦٣ و٢٨٠)، المبسوط (٣/ ١٣٩).
(٨) وفي "ب": "قبلت".
(٩) "يشترط فيه" ساقطة من "ب"، و"فيه" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ" و"و".