قال الشَّافعي٢: واليمين مع الشَّاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين، وشاهد وامرأتين، فإذا كان شاهد حكمنا بشاهدٍ ويمين، وليس ذا يخالف القرآن٣؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقل٤ ممَّا نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله ﷺ أعلم بما٥ أراد الله، وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا٦.
قلت: وليس في القرآن ما يقتضي أنَّه لا يحكم إلَّا بشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألَّا يقضوا إلَّا بذلك، ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهنَّ، وبمعاقد القمط٧، ووجوه
(١) في الأم (٦/ ٣٥٦)، ورواه مالك (٢٢/ ٥٥) مع الاستذكار، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٠٥) و(٤/ ٥٤٥)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٩٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢)، وفي المعرفة (١٤/ ٢٩٣).
(٢) الأم (٧/ ٣٩). وانظر: سنن البيهقي (١٠/ ٢٩٥).
(٣) انتهى كلام الشافعي من الأم (٧/ ٣٩).
(٤) في "ب": "أولى".
(٥) هكذا في "و"، وفي النسخ: "بمعنى ما".
(٦) انتهى كلام الشافعي كما نقله البيهقي في السنن (١٠/ ٢٩٥)، والزيلعي في نصب الراية (٥/ ١٤٥) مع الهداية.
(٧) تقدم بيانه ص (٥).
الآجر١، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن٢، فإن كان الحكم بالشَّاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة٣ للقرآن، فالحكمُ بالشاهد واليمين أولى ألَّا يكون مخالفًا للقرآن، فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر٤، وليس بينهما تلازم، فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه يُحفظ به، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله من نكول ورد يمين وغير ذلك، والقضاء بالشاهد واليمين، ممَّا أراه الله تعالى لنبيه ﷺ؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[النساء: ١٠٥]، وقد حكم بالشاهد واليمين وهو ممَّا أراه الله إيَّاهُ قطعًا.
ومن العجائب: ردُّ الشاهد واليمين، والحكم بمجرد النكول الَّذي
(١) تقدم بيانه، وانظر: المطلع (٤٠٤)، المبدع (١٠/ ١٤٩)، الشرح الكبير (٢٩/ ١٣٣)، الإنصاف (٢٩/ ١٣١)، الفروق (٤/ ١٠٣)، تبصرة الحكام (٢/ ١٢٣)، الرسالة لأبي زيد القيرواني (٢٤٨)، تهذيب الفروق (٤/ ١٦٧)، فصول الأحكام (٣٢٤)، تاريخ دمشق (٥١/ ٢٩٢)، المبسوط (١٧/ ٩٠)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٥٨).
(٢) انظر: الأم (٧/ ١٤٣)، التمهيد (٢/ ١٥٦)، شرح الزرقاني (٣/ ٤٩٢)، تفسير القرطبي (٣/ ٣٩٢)، اختلاف الحديث (١/ ٥٨)، إعلام الموقعين (١/ ١٣٧ و١٤٧).
(٣) "لكتاب الله منه وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة" ساقطة من "أ".
(٤) "وطرق حفظ الحقوق شيء آخر" ساقطة من "ب"، و"آخر" ساقطة من "هـ" و"و".