الآجر١، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن٢، فإن كان الحكم بالشَّاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة٣ للقرآن، فالحكمُ بالشاهد واليمين أولى ألَّا يكون مخالفًا للقرآن، فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر٤، وليس بينهما تلازم، فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه يُحفظ به، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله من نكول ورد يمين وغير ذلك، والقضاء بالشاهد واليمين، ممَّا أراه الله تعالى لنبيه ﷺ؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[النساء: ١٠٥]، وقد حكم بالشاهد واليمين وهو ممَّا أراه الله إيَّاهُ قطعًا.
ومن العجائب: ردُّ الشاهد واليمين، والحكم بمجرد النكول الَّذي
(١) تقدم بيانه، وانظر: المطلع (٤٠٤)، المبدع (١٠/ ١٤٩)، الشرح الكبير (٢٩/ ١٣٣)، الإنصاف (٢٩/ ١٣١)، الفروق (٤/ ١٠٣)، تبصرة الحكام (٢/ ١٢٣)، الرسالة لأبي زيد القيرواني (٢٤٨)، تهذيب الفروق (٤/ ١٦٧)، فصول الأحكام (٣٢٤)، تاريخ دمشق (٥١/ ٢٩٢)، المبسوط (١٧/ ٩٠)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٥٨).
(٢) انظر: الأم (٧/ ١٤٣)، التمهيد (٢/ ١٥٦)، شرح الزرقاني (٣/ ٤٩٢)، تفسير القرطبي (٣/ ٣٩٢)، اختلاف الحديث (١/ ٥٨)، إعلام الموقعين (١/ ١٣٧ و١٤٧).
(٣) "لكتاب الله منه وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة" ساقطة من "أ".
(٤) "وطرق حفظ الحقوق شيء آخر" ساقطة من "ب"، و"آخر" ساقطة من "هـ" و"و".
هو سكوت، ولا ينسب إلى ساكتٍ قول١، والحكم لمدعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج وهو الصحاح من الآجر، أو إليه معاقد القمط في الخص، كما يقوله أبو يوسف٢: فأين هذا من الشاهد٣ العدل المبرز في العدالة، الَّذي يكاد يحصل العلم بشهادته، إذا انضاف إليها يمين المدعي؟ وأين الحكم بلحوق النسب بمجرد العقد، وإن علمنا قطعًا أن الرجل لم يصل إلى المرأة، من الحكم بالشاهد واليمين؟ وأين الحكم بشهادة مجهولين لا يعرف حالهما، من الحكم بشهادة العدل المبرز٤ الثقة، مع يمين الطالب؟ وأين الحكم لمدعي الحائط بينه وبين جاره، تكون عليه ثلاثة جذوع فصاعدًا له٥ من الحكم بالشاهد واليمين؟ ومعلومٌ أنَّ الشاهد العدل٦ واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة٧ جذوع على الحائط الَّذي ادعاه، فإذا أقام جاره شاهدًا، وحلف معه كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع.
وهذا شأن كل من خالف سنَّةً صحيحة لا معارض لها، لا بُدَّ أن