الطرق الحكمية

شاهد فاسق بكتمانه، إلا١ أن هذا لا ينفي الضمان في نفس الأمر.

وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ضمن مسألة الشهادة على الشهادة في الحدود التي لله تعالى وللآدمي: أن الشهادة ليست حقًّا على الشاهد، بدلالة أن رجلًا لو قال: لي على فلان شهادة فجحدها فلان، أن الحاكم لا يعدى٢ عليه ولا يحضره، ولو كانت حقًّا عليه لأحضره، كما يحضره في سائر الحقوق، وسلم القاضي ذلك، وقال: ليس إذا لم يجز الاستعداء والإغراء٣، أو لم٤ تسمع الدعوى، لم تسمع الشهادة به،٥ وكذلك أعاد ذكرها في مسألة شاهد الفرع على شاهد الأصل، وأن الشهادة ليست حقًّا على أحد، بدليل عدم الإعداء والإحضار٦ إذا ادعى أن له قبل فلان شهادة٧.

وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإن الشهادة المتعينة حق على الشاهد، يجب عليه القيام بها، ويأثم بتركه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهل المراد به: إذا ما

  1. (١) "إلَّا" ساقطة من "د".
  2. (٢) في "أ": "يغري".
  3. (٣) في "د" و"و": "الاستواء والاستعداء"، وفي "جـ": "الاستقراء والأعداء".
  4. (٤) في "أ": "إذا لم".
  5. (٥) في "أ" جملة: "لا لها وأكثره لا يسمع الاستعداء والإغراء فيه وتسمع الشهادة به" وهذه الجملة ساقطة من جميع النسخ إلَّا "أ" ومعناها غير واضح.
  6. (٦) في جميع النسخ عدا "أ": "والقضاء".
  7. (٧) الفروع (٦/ ٤٥٩)، كشاف القناع (٦/ ٣٣٠).
393

دعوا للتحمل، أو للأداء؟ على قولين للسلف١، وهما روايتان عن أحمد٢، والصحيح: أن الآية تعمهما، فهي حق له، يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد، ولكن ليست حقًّا تصح الدعوى به والتحليف عليه؛ لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه٣ والقدح فيه بالكتمان.

وقياس المذهب: أن الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه؛ لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل.

وطرد هذا الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه عليه بترك الحكم الواجب عليه.

فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه، أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها، فإنه لا يضمن في ذلك كله٤.

قيل: المنصوص عن عمر ﵁ وغيره: إنما هو فيمن

  1. (١) انظر: تفسير ابن جرير (٣/ ١٢٦)، تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٦٢)، تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٧٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٨)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣٨).
  2. (٢) انظر: المغني (١٤/ ١٣٧)، الشرح الكبير (٢٩/ ٢٤٩)، الإنصاف (٢٩/ ٢٤٩).
  3. (٣) في "أ": "يستلزم اتهامه".
  4. (٤) في "د": "فإنَّه لا يضمن ذلك".
394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي