استسقى قومًا فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم ديته١، وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل٢.
وأما هذه الصورة التي نقضتم بها فلا ترد.
والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: أنهما سببان للإتلاف٣ بترك ما وجب عليهما من الشهادة والحكم، ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره٤ وجب عليه ضمانه، وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف، والله ﷾ أعلم.
(١) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٥٠) رقم (٢٧٨٩٠). وانظر: المحلَّى (١٠/ ٥٢٢)، المنتقى للمجد (٧/ ٩٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (٢١٩)، المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد (٣٧)، الفتح الرباني للدمنهوري (٢١١).
(٢) انظر: المغني (١٢/ ١٠٢)، الشرح الكبير (٢٥/ ٣٥٢)، الأحكام السلطانية (٢١٩)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١٣)، الفروع (٦/ ١٣).
(٣) وفي "أ": "متسببان إلى الإتلاف".
(٤) في "أ": "مال محترم".
فصل
الطريق الثامن من طرق الحكم: الحكم بالرَّجل الواحد والمرأتين.
فإن قيل: فظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، وأنَّه لا يقضى بهما إلَّا عند عدم الشاهدين.
قيل١: القرآن لا يدلُّ على ذلك، فإنَّ هذا٢ أمرٌ لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها، فإنَّ شهادة الرجل الواحد أقوى٣ من شهادة٤ المرأتين؛ لأنَّ النَّساء يتعذَّرُ غالبًا حضورهنَّ مجالس الحكام، وحفظهنَّ وضبطهنَّ دون حفظ الرَّجال وضبطهم، ولم يقل سبحانه: احكموا بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين٥ فرجلٌ وامرأتان، وقد جعل ﷾ المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها: هذا، والثاني: في
(١) انظر: إعلام الموقعين (١/ ١٣٧ و١٤٧)، الأم (٧/ ١٤٣)، التمهيد (٢/ ١٥٦)، تفسير القرطبي (٣/ ٢٩٢).