بصدق المرأة، فعورض هذا باستحلافه، وكان جانب الزوج أقوى بوجود النكاح الثابت، فشرعت اليمين في جانبه؛ لأنَّه مدَّعى عليه، والمرأة مدعية١.
فإن قيل: فهلا حلفت مع شاهدها وفرق بينهما؟
فالجواب: أنَّ اليمين مع الشاهد لا تقوم مقام شاهدٍ آخر، لما تقدم من الأدلة على ذلك، واليمين مجرد قول المرأة، ولا يقبل في الطلاق أقل من شاهدين، كما أنَّ ثبوت النكاح لا يكتفى فيه إلَّا بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين على رواية٢، فكان رفعه كإثباته، فإنَّ الرفع أقوى من الثبوت، ولهذا لا يرفع بشهادة فاسقين، ولا مستوري الحال، ولا رجل وامرأتين.
الثالث: أنَّه يحكم في الطلاق بشاهدٍ ونكول المدعى عليه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يحكم بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد، فإذا ادَّعت المرأة على زوجها الطلاق، وأحلفناه لها - على إحدى الروايتين - فنكلَ: قضى عليه٣. فإذا أقامت المرأة٤ شاهدًا واحدًا، ولم يحلف الزوج على عدم دعواها: فالمقضي٥ عليه بالنكول في
(٢) في "أ": "روايتين". انظر: كتاب الروايتين والوجهين (٣/ ٨٧).
(٣) في "أ": "قضى له". انظر: المحرر (٢/ ٢٢٦).
(٤) "المرأة" ساقطة من جميع النسخ عدا "هـ".
(٥) هكذا: "فالمقضي". ولعل الصواب "فليقض".
هذه الصورة أولى١.
وظاهر الحديث: أنَّه لا يحكم على الزوج بالنكول إلَّا إذا أقامت المرأة شاهدًا، كما هو إحدى الروايتين عن مالك٢، وأنَّه لا يحكم عليه بمجرد دعواها مع نكوله، لكن من يقضي عليه به يقول: النكول إمَّا إقرار وإمَّا بينة، وكلاهما يحكم به، ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص.
وقد يُجاب عنه بأنَّ النكول بذل استغنى به فيما يباح بالبذل، وهو الأموال وحقوقها، بخلاف النكاح وتوابعه.
الرَّابع: أنَّ النكول بمنزلة البينة، فلمَّا أقامت شاهدًا واحدًا - وهو شطر البينة - كان النكول قائمًا مقام تمامها.
ونحن نذكر مذاهب النَّاسِ في القول بهذا الحديث.
فقال ابن الجلاب٣ في تفريعه٤: إذا ادَّعت المرأة الطلاق على
(١) أما المذهب فذكر ابن قدامة ﵀ أن النكاح وحقوقه لا يثبت بشاهد ويمين قولًا واحدًا. المغني (١٠/ ١٥٧).
(٣) عبيد الله بن الحسين بن الحسن وسماه القاضي عياض: محمد بن الحسين أبو القاسم بن الجلاب شيخ المالكية. توفي سنة ٣٧٨ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: الديباج المذهب (١/ ٤٦١)، ترتيب المدارك (٤/ ٦٠٥)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٣).