وقد تقدم١ ذكر المواضع التي قبلت٢ فيها البينات من النساء، وأنَّ "البينة" اسمٌ لما يبين الحق، وهو أعمُّ من أن يكون برجال أو نساء أو نكول أو يمين أو أمارات ظاهرة، والنبي ﷺ قد قبل شهادة المرأة في الرضاع٣، وقبلها الصحابة في مواضع قد ذكرناها، وقبلها التابعون٤.
وقولكم: "وتقبل في غير الأموال شهادة٥ رجل وامرأتين"٦.
قُلنا: نعم، وذلك موجودٌ في عدة مواضع، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والنسب، والولاء، والإيصاء، والوكالة في النكاح وغيره على إحدى الروايتين٧.
قولكم: "شهادة المرأتين ضعيفة، فقويت بالرجل، واليمين ضعيفة، فيضم ضعيف إلى ضعيف، فلا يقبل".
جوابه: أنَّا٨ لا نُسلِّم ضعف شهادة المرأتين إذا اجتمعتا، ولهذا
نحكم١ بشهادتهما إذا اجتمعتا٢ مع الرجل وإن أمكنه أن يأتى برجلين٣، فالرجلُ والمرأتان أصلٌ لا بدل، والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والدِّيانة، إلَّا أنَّها لما خيف عليها السهو والنسيان قُوِّيت٤ بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريبَ أنَّ الظنَّ المستفاد من شهادة أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من٥ رجلٍ واحدٍ دونهما ودون أمثالهما.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾[البقرة: ٢٨٢] ولم يذكر المرأتين دون الرجل٦.
فيقال: ولم يذكر الشاهد واليمين، ولا النكول، ولا الرد، ولا شهادة المرأة الواحدة، ولا المرأتين، ولا الأربع نسوة، وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنَّما أرشدَ إلى ما يحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تحفظ بها الحقوق٧.
(١) في "ب": "حكم"، وفي "د" و"هـ": "يحكم".
(٢) "إذا اجتمعتا" ساقطة من "هـ" و"و".
(٣) في "د": "برجل".
(٤) "قويت" ساقطة من "ب".
(٥) "شهادة أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".
(٦) في "ب" و"جـ" و"د" و"هـ": "المرأتين والرجل" وهو خطأ؛ لأنَّ الآية ذكرت الرجل والمرأتين وإنَّما لم تذكر المرأتين دون الرجل.