وأجمع النَّاسُ على أنَّه مقبول الشهادة على رسول الله ﷺ إذا روى عنه الحديث١، فكيف تقبل شهادته على رسول الله ﷺ، ولا تقبل شهادته على واحدٍ من النَّاسِ؟
ولا يقال: باب الرواية أوسعُ من باب الشهادة، فيحتاط لها ما لا يحتاط للرواية٢، فهذا كلامٌ جرى على ألسن كثير من النَّاس، وهو عارٍ عن التحقيق والصواب، فإنَّ أولى ما ضُبِط٣ واحتيط له الشهادةُ
= الشريعة (١/ ٢٧١)، وابن عدي (٢/ ٢٧٣)، وابن وضاح في البدع رقم (١)، والعقيلي (٤/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (٢/ ١٧)، وابن بطة في الإبانة (١/ ١٩٨) رقم (٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٨)، وابن عساكر (٧/ ٣٨). والحديث صححه الإمام أحمد وابن عبد البر وابن الوزير. انظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٣٩٨)، والآداب الشرعية (٢/ ٥٧)، العواصم والقواصم (١/ ٣١٢)، وضعفه الحافظان ابن حجر وابن كثير. انظر: الإصابة (١/ ١٢٤)، البداية والنهاية (١٤/ ٤١١).
(١) انظر: المختصر في أصول الحديث للجرجاني (٥٧)، ألفية السيوطي في علم الحديث (٨٩). قال الآمدي: "لم يختلف في قبول رواية العبدِ" ا. هـ. الإحكام (٢/ ٣٠٥)، النبذ في أصول الفقه (٦١).
على الرسول ﷺ والرواية عنه، فإنَّ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، وإنَّما رُدَّت الشهادة بالعداوة والقرابة والأنوثة١ دون الرواية لتطرق التهمة إلى شهادة العدو وشهادة الولد، وخشية عدم ضبط المرأة وحفظها، وأمَّا العبدُ فما يتطرقُ إليه من ذلك يتطرق إلى الحرِّ سواء، ولا فرق بينه وبينه في ذلك ألبتة، فالمعنى الَّذي قبلت به روايته هو المعنى الَّذي تقبل به شهادته، وأمَّا المعنى الَّذي رُدَّت به شهادة العدو والقرابة والمرأة فليس موجودًا في العبد٢.
وأيضًا؛ فإنَّ المقتضي لقبول شهادة المسلم عدالته، وغلبة الظن بصدقه، وعدم تطرق التهمة إليه، وهذا بعينه موجود في العبد، فالمقتضي موجود والمانع مفقود، فإنَّ الرِّقَّ لا يصلح أن يكون مانعًا، فإنَّه لا يزيل مقتضى العدالة، ولا تطرق تهمة، كيف والعبد الَّذي يؤدي حقَّ الله وحقَّ سيده له أجران حيث يكون للحرِّ أجرٌ واحد٣، وهو أحد الثلاثة الَّذين هم أوَّل من يدخل الجنَّة٤، ولهذا قبل شهادته أصحاب
(١) "والأنوثة" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".
(٢) انظر: بدائع الفوائد (١/ ٥).
(٣) كما رواه البخاري رقم (٢٥٤٩)، ومسلم رقم (١٦٦٤) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: "إنَّ العبدَ إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرَّتين".
(٤) لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "عُرِضَ عليَّ أوَّل ثلاثة يدخلون الجنَّة - وذكرهم - وعبدٌ مملوكٌ أحسن عبادة ربه ونصح لسيده" رواه أحمد (٢/ ٤٢٥)، والترمذي (١٦٤٢)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٦٧)، والطيالسي (٣٣٤) رقم (٢٥٦٧)، وابن المبارك في الجهاد (١/ ٥١) رقم (٤٦)، =