الطرق الحكمية

وأجازتها طائفة في الشيء اليسير دون الكثير، وهذا قول إبراهيم النخعي١، وإحدى الروايتين عن شريح٢ والشعبي٣.

والَّذين ردُّوها بكلِّ حالٍ منهم من قاس٤ العبد على الكافر؛ لأنَّه منقوص بالرق٥، وذاك٦ بالكفرِ، وهذا من أفسد القياس٧ في العالم، وفساده معلوم بالضرورة من الدِّين.

ومنهم من احتجَّ بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] والشهادة شيء، فهو غير قادر عليها٨.

قال أبو محمد ابن حزم٩ في جواب ذلك: تحريف كلام الله عن مواضعه مهلك في الدنيا والآخرة، ولم يقل تعالى: إنَّ كلَّ عبدٍ لا يقدر على شيء، إنَّما ضربَ الله تعالى المثل بعبدٍ من عبيده هذه صفته، وقد توجد هذه الصفة في كثيرٍ من الأحرار، وبالمشاهدة نعرف كثيرًا من العبيد أقدر على الأشياء من كثيرٍ من الأحرار.

  1. (١) رواه عبد الرزاق (٨/ ٣٢٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٣٢)، والبخاري تعليقًا (٥/ ٣١٦). وانظر: تغليق التعليق (٣/ ٣٨٩)، فتح الباري (٥/ ٣١٧).
  2. (٢) انظر: المحلَّى (١٧/ ٥٨)، الحاوي (٩/ ٤١٣)، فتح الباري (٥/ ٣١٦).
  3. (٣) انظر: المراجع السابقة. وفي "أ": "عن شريح عن الشعبي".
  4. (٤) في "د": "قال".
  5. (٥) انظر: النكت على المحرر (٢/ ٣٠٧).
  6. (٦) في النسخ عدا "أ": "ذلك".
  7. (٧) في "أ": "قياس".
  8. (٨) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢٦٧).
  9. (٩) المحلَّى (٩/ ٤١٤).
450

ونقول لهم: هل يلزم العبيد الصلاة والصيام والطهارة، ويحرم عليهم من المآكل والمشارب والفروج ما يحرم على الأحرار، أم لا يلزمهم ذلك؛ لكونهم لا يقدرون عندكم على شيءٍ ألبتة؟١، قال: ومن نسب هذا إلى الله فقد كذب عليه جهارًا٢.

واحتج بعضهم٣ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فنهى الشهداء عن التخلف والإباء، ومنافع العبد لسيده، فله أن يتخلف ويأبى إلَّا خدمته.

وهذا لا يدلُّ على عدم قبولها إذا أذن له سيده في تحملها وأدائها إذا لم يكن في ذلك تعطيل خدمة السيد.

فأبعد النجعة من فهم رد شهادة العبيد العدول بذلك، فإن كان هذا مقتضى الآية كان مقتضى ذلك أيضًا ردَّ روايتهم.

واحتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]، والعبدُ ليس من أهلِ القيام على غيره، وهذا من جنس احتجاج بعضهم٤ أنَّ الشهادة ولاية، والعبد ليس من أهل الولاية على غيره.

وهذا في غاية الضعف؛ فإنَّه يقال لهم: ما تعنون بالولاية؟ أتريدون بها الشهادة، وكونه مقبول القول على المشهود عليه، أم كونه

  1. (١) "ألبتة" ساقطة من "ب".
  2. (٢) انتهى كلام ابن حزم.
  3. (٣) انظر: فتح الباري (٥/ ٣١٧).
  4. (٤) "بقوله تعالى: ﴿والَّذين ..﴾ " إلى قوله " .. احتجاج بعضهم" ساقط من "و".
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي