أحدها: الجاهل المقلِّد الَّذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرَّجال والنساء والولدان الَّذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، فأولئك عسى الله أن يعفوَ عنهم، وكان الله عفوًّا غفورًا.
القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ٤ ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثمٌ بترك ما وجبَ عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلبَ ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلبَ ما فيه من السنَّة والهدى قبلت شهادته١.
القسم الثالث: أن يسأل ويطلب٢، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدًا وتعصبًا، أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلَّا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي ردِّ شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فسادٌ كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة.
وقد نصَّ مالك ﵀ على أنَّ شهادة أهل البدع - كالقدرية
(١) "شهادته" ساقطة من "أ" و"ب".
(٢) "ويطلب" ساقطة من "هـ".
والرَّافضة ونحوهم - لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا١.
قال اللخمي٢: وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه.
فإن كان هذا٣ ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنَّما هو من تأويل القرآن، كالخوارج - فما الظن بالجهمية الَّذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟٤.
وعلى هذا، فإذا كان النَّاسُ فسَّاقًا كلهم إلَّا القليل النَّادر قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق٥ فالأمثل، هذا هو الصواب الَّذي عليه العمل٦، وإن أنكره كثيرٌ من الفقهاء بألسنتهم.
(٢) هو علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي القيرواني أبو الحسن الإمام الحافظ. توفي سنة ٤٧٨ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: شجرة النور الزكية (١/ ١١٧)، ترتيب المدارك (٤/ ٧٩٧)، تاريخ الإسلام (٣٢/ ٢٤٢).
(٣) "هذا" ساقطة من "و".
(٤) انظر: السنة للخلال (٥/ ٨٣)، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٦)، الكتاب اللطيف لابن شاهين (٨٦)، السنة للّالكائي (٢/ ٢٥٦).
(٥) "من الفساق" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ" و"و".
(٦) انظر: مختصر الفتاوى المصرية (٧٧٢)، بدائع الفوائد (٣/ ٢٣٢)، معين الحكام (١٧٨)، السياسة الشرعية لابن نجيم (٢٥)، والسياسة الشرعية لدده أفندي (٨٦ و١٢٠)، بهجة قلوب الأبرار للسعدي (١١٦) "مع المجموعة الكاملة".