كما أنَّ العملَ على صحة ولاية الفاسق، ونفوذ أحكامه، وإن أنكروه بألسنتهم.
وكذلك العمل على صحة١ كون الفاسق وليًّا في النكاح ووصيًّا في المال٢. والعجبُ ممَّن يسلبه٣ ذلك ويرد الولاية إلى فاسقٍ مثله، أو أفسق منه؛ فإنَّ العدلَ الَّذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر٤ وجوده، وامتاز الفاسق القريب بشفقة القرابة، والوصيُّ باختيار الموصى له وإيثاره على غيره، ففاسقٌ عيَّنه الموصي أو امتاز بالقرابة أولى من فاسق ليس كذلك.
على أنَّه إذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله ﷾ لم يأمر بردِّ خبر الفاسق، فلا يجوز رده مطلقًا، بل يتثبت فيه حتَّى يتبين، هل هو صادقٌ أو كاذب؟ فإن٥ كان صادقًا قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبًا رُدَّ خبره ولم يلتفت إليه.
وخبر الفاسق وشهادته لرده مأخذان٦:
(١) "صحة ولاية الفاسق" إلى قوله "العمل على صحة" ساقطة من "د".
(٢) انظر: تاريخ قضاة الأندلس للنباهي (٩٩)، ونفح الطيب (٢/ ٢٣٨).
(٣) في "جـ": "سبيله"، وفي "د": "سلبه".
(٤) في "و": "يتعذر".
(٥) في "د" و"هـ": "فإذا".
(٦) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ٩).
أحدهما: عدم الوثوق به، إذ١ تحمله قلَّة مبالاته بدينه، ونقصان وقار الله في قلبه على تعمد الكذب.
الثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به٢، فقبول شهادته إبطالٌ لهذا الغرضِ المطلوب شرعًا.
فإذا علم صدق لهجة الفاسق، وأنَّه من أصدق النَّاس - وإن كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لردِّ شهادته٣، وقد استأجر النبي ﷺ هاديًا يدلُّه على طريق المدينة، وهو مشركٌ على دين قومه، ولكن لما وثق بقوله أمنه٤، ودفع إليه راحلته، وقبل دلالته٥.
وقد قال أصبغ بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في القضية٦، وقد يحتج له بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[الحجرات: ٦]
وحرف المسألة: أنَّ مدارَ قبول الشهادة، وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه.