قال أبو خيثمة١: حدثنا حفص بن غياث عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجلٍ منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: ائتوني بأربعة منكم يشهدون"٢.
قالوا: ويكفي الحديث الَّذي في الصحيح٣: مرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي قد حمم٤، فقال: "ما شأن هذا؟ " فقالوا: زنى، فقال: "ما تجدون في كتابكم؟ " وذكر الحديث، فأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب٥ اعترافهما وإقرارهما، وذلك ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها، ليس في شيءٍ منها ألبتة أنَّه
(١) زهير بن حرب بن شداد النسائي، أبو خيثمة الحافظ الحجة. توفي سنة ٢٣٤ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٥٩١)، تهذيب الكمال (٩/ ٤٠٢)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٨٩).
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٤٢٨) مع شرحه عون المعبود، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ٤٥٠) رقم (٤٥٤٥)، وفي شرح المعاني (٤/ ١٤٢) واللفظ له، والبيهقي (٨/ ٤٠٢) من طريق مجالد بن سعيد وفي حديثه لين. قال ابن عبد الهادي: "وقد روي من غير هذا ولكن فيها ضعف" ا. هـ. التنقيح (٣/ ٥٥١)، وصحح الألباني رواية أبي داود. انظر: صحيح أبي داود رقم (٣٧٤٠).
(٣) البخاري رقم (٦٨١٩) (١٢/ ١٣١)، ومسلم رقم (١٦٩٩) (١١/ ٢٢٠) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) أي صب عليه ماء حار مخلوط بالرماد، والمراد تسخيم الوجه بالحميم وهو الفحم. فتح الباري (١٢/ ١٣١)، النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٤٤).
(٥) "طلب" ساقطة من "أ".
رجمهما بإقرارهما، ولما أقرَّ ماعز بن مالك١ والغامدية٢ اتفقت جميع طرق الحديثين على ذكر الإقرار.
قالوا: وروى نافع عن ابن عمر في هذه القصة: أنَّه مرَّ على النبي ﷺ بيهودي محمم، فقال: "ما باله؟ " قالوا: زنى، قال: "ائتوني بأربعة منكم يشهدون عليه"٣.
قالوا: وقد أجازَ الله سبحانه شهادة الكفار على المسلمين في السفرِ في الوصية، للحاجة٤، ومعلوم أنَّ حاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم، فإنَّ الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات وعقود٥ المعاوضات وغيرها، وتقع بينهم الجنايات وعدوان بعضهم على بعض، لا يحضرهم في الغالب مسلم، ويتحاكمون إلينا، فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى تظالمهم، وضياع حقوقهم، وفي ذلك فسادٌ كثير، فأين٦ الحاجة إلى قبول شهادتهم
(١) "بن مالك" ساقطة من "أ". والحديث تقدم تخريجه.
(٢) لم أجد من ذكر اسمها. والحديث تقدم تخريجه.
(٣) لم أجد هذه الرواية من حديث ابن عمر ﵄. وقد جاءت من حديث جابر ﵁، وقد سبق تخريجها قريبًا. وانظر: فتح الباري (١٢/ ١٧٦).
(٤) المائدة الآية (٦)، وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل التالي.