وإما تخييرًا١، والحكم إمَّا بالإقرار وإمَّا بالبينة، ومعلومٌ أنَّه مع الإقرار لا يرتفعون٢ إلينا، ولا يحتاجون إلى٣ الحكم غالبًا، وإنَّما يحتاجون إلى الحكم٤ عند التجاحد وإقامة البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومعلومٌ أنَّ الحكم بينهم مقصوده العدل، وإيصال كل ذي حقٍّ منهم إلى حقِّه، فإذا غلب على الظن صدق مدعيهم بما يحضره من الشهود الَّذين يرتضونهم فيما بينهم، ولا سيما إذا كثروا٥، فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه، وهذا ظاهر جدًّا.
قالوا٦: وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[الطلاق: ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾[البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾[البقرة: ٢٨٢]، فهذا إنَّما هو في الحكم بين المسلمين، فإنَّ السياق كله في ذلك، فإنَّ الله ﷾ قال:
(١) قال تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ...﴾[المائدة: ٤٢]. وانظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٥٨٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٩)، زاد المسير (٢/ ٣٦١)، تفسير الماوردي (٢/ ٤١)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ١٢٣)، تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٣٥).
(٢) وفي "د" و"و": "لا يرفعون".
(٣) "ولا يحتاجون إلى" ساقطة من "و".
(٤) "غالبًا وإنَّما يحتاجون إلى الحكم" ساقطة من "ب".
(٥) في "ب": "ذكروا".
(٦) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٦١) تفسير القرطبي (٦/ ٣٥٠)، المبسوط (٣٠/ ١٥٢)، السيل الجرار (٤/ ١٩٥).
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾[النساء: ١٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[الطلاق: ١ - ٢]، وكذلك قال في آية المداينة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾[البقرة: ٢٨٢]، فلا تعرُّض في شيءٍ من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة.
وأمَّا١ قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾[المائدة: ٦٤] فهذا إمَّا أن٢ يراد به العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به العداوة التي بين٣ فرقهم وإن كانوا ملة واحدة٤، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض، فإنَّها عداوة دينية، فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة، وإلباسهم شيعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض.
واحتجَّ الشافعي٥ بأنَّ من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب، فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله،
(١) في "ب": "ولنا".
(٢) "أن" ساقطة من "ب".
(٣) "اليهود والنصارى أو يراد به العداوة التي بين" ساقطة من "د".
(٤) انظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٦٤٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٣٩)، تفسير البغوي (٢/ ٥٠)، تفسير الماوردي (٢/ ٥٢)، زاد المسير (٢/ ٣٩٤)، تفسير الشوكاني (٢/ ٨٥).