﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾[النساء: ١٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[الطلاق: ١ - ٢]، وكذلك قال في آية المداينة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾[البقرة: ٢٨٢]، فلا تعرُّض في شيءٍ من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة.
وأمَّا١ قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾[المائدة: ٦٤] فهذا إمَّا أن٢ يراد به العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به العداوة التي بين٣ فرقهم وإن كانوا ملة واحدة٤، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض، فإنَّها عداوة دينية، فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة، وإلباسهم شيعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض.
واحتجَّ الشافعي٥ بأنَّ من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب، فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله،
(١) في "ب": "ولنا".
(٢) "أن" ساقطة من "ب".
(٣) "اليهود والنصارى أو يراد به العداوة التي بين" ساقطة من "د".
(٤) انظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٦٤٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٣٩)، تفسير البغوي (٢/ ٥٠)، تفسير الماوردي (٢/ ٥٢)، زاد المسير (٢/ ٣٩٤)، تفسير الشوكاني (٢/ ٨٥).
(٥) انظر: الأم (٧/ ٢٤).
والخوارج من أصدق النَّاس لهجة، وقد كذبوا على اللهِ ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنَّهم صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنونه من أصدق الصدق.
واحتجَّ المانعون أيضًا بأنَّ في قبول شهادتهم إكرامًا لهم، ورفعًا لمنزلتهم وقدرهم، ورذيلة الكفر تنفي ذلك.
قال الآخرون: رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة بنص القرآن١، ولم تمنع ولاية بعضهم على بعض، وعرافة بعضهم على بعض، وكون بعضهم حاكمًا وقاضيًا عليهم، فلا نمنع أن يكون بعضهم شاهدًا على بعض، وليس في هذا تكريمٌ لهم، ولا رفع لأقدارهم، وإنَّما هو دفعُ شر٢ بعضهم٣ عن بعض، وإيصال حقوق أهل الحقوق منهم بقول من يرضونه٤، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها.
وممَّا يوضح ذلك، أنَّهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم، ورضوا بقبول
(١) الآية (١٠٦) وما بعدها من سورة المائدة. قال عنها مكي بن أبي طالب ﵀ في كتابه المسمَّى بالكشف (١/ ٤٢٠): "هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي القرآن وأشكلها" حاشية الجمل على الجلالين (١/ ٣٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٥٣)، تفسير الرَّازي (١٢/ ١٠١)، فتح الباري (٥/ ٤٨٠)، تفسير القرطبي (٦/ ٣٤٦)، تفسير الشوكاني (٢/ ١٢٥).