وأمَّا ما ذكره بعض النَّاس: أنَّ ذلك مخالفٌ للأصول والقياس من وجوه٢:
أحدها: أنَّ ذلك يتضمن شهادة الكافر، ولا شهادة له٣.
الثاني: أنَّه يتضمن حبس الشاهدين، والشاهد لا يحبس.
الثالث: أنَّه يتضمن تحليفهما، والشاهد لا يحلف٤.
الرَّابع: أنَّه يتضمن تحليف إحدى البينتين: أنَّ شهادتهما أحق من شهادة البينة الأُخرى.
الخامس: أنَّه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم.
السَّادس: أنَّ أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت خيانتهما، إن كانت شهادة فكيف يشهدان لأنفسهما؟ وإن كانت أيمانًا فكيف يقضى بيمين المدعي بلا شاهد ولا رد؟
(١) من قوله "الحادي عشر" إلى "فيجب أن يرغب عنه" ساقطة من "أ".
(٢) انظر: فتح الباري (٥/ ٤٨٤).
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن النحاس (٢/ ٣٠١).
(٤) انظر: تفسير الطبري (٥/ ١١٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٤٤)، زاد المسير (٢/ ٤٤٥)، البحر المحيط (٢/ ٣٩٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢١٢)، تفسير الشوكاني (٢/ ١٢٥).
السَّابع: أنَّ هذا يتضمن القسامة في الأموال، والحكم بأيمان المدعين، ولا يعرف بهذا قائل.
فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها، ونسأله العافية، فإنَّها اعتراضات١ على حكم الله وشرعه وكتابه.
فالجواب عنها: بيان أنَّها مخالفة لنص الآية، معارضةٌ لها، فهي من الرَّأي الباطل الَّذي حذَّر منه سلف الأُمَّة٢، وقالوا: إنَّه يتضمن تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ اللهُ، وإسقاط ما فرض الله، ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذمِّ هذا النوعِ من الرَّأي٣، وأنَّه لا يحل الأخذ به في دين اللهِ، ولا يلزم الجواب عن هذه الاعتراضات وأمثالها، ولكن نذكر الجواب بيانًا للحكمة، وأن الَّذي تضمنته الآية هو المصلحة، وهو أعدل ما يحكم به، وخير من كلِّ حكمٍ سواه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٥٠﴾[المائدة: ٥٠].
وهذا المسلكُ الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله ﷺ أيضًا، فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم، قالوا: هذا يخالف الأصول فلا يقبل.
والمحكمون لكتاب الله وسنَّة رسوله٤ يرون هذه الآراء وأمثالها
(١) "التي نعوذ بالله منها ونسأله العافية فإنها اعتراضات" ساقطة من "ب".
(٢) في "و": "السلف الأئمة".
(٣) انظر: ذم الكلام وأهله (٢/ ١٨٥)، الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٠)، جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٣٧).
(٤) "فلا يقبل والمحكمون لكتاب الله وسنة رسوله" ساقطة من "ب".