به إمساكهما لليمين بعد الصلاة١، كما يقال: فلان٢ يُصبَرُ لليمين، أي يمسك لها، وفي الحديث: "ولا تُصْبَرْ يمينُه حَيْثُ تُصْبَرُ الأيمان"٣.
قولكم: يتضمن تحليف الشاهدين، والشاهد لا يحلف.
فمن أين لكم أن مثل هذا الشاهد الَّذي شهادته بدل عن شهادة المسلم للضرورة لا يحلف؟ فأي كتاب، أم أية٤ سنَّة جاءت بذلك؟ وقد حلَّف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع٥، وذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه٦، وقد تقدم الكلام في تحليف الشهود المسلمين إذا ارتاب بهم الحاكم، ومن ذهب إليه من السلف وقضاة العدل٧.
وقولكم: "فيه شهادة المدعين لأنفسهم، والحكم لهم بمجرد دعواهم" ليس بصحيح؛ فإنَّ الله سبحانه جعل٨ الأيمان لهم٩ عند
(١) انظر: فتح الباري (٥/ ٤٨٤).
(٢) "فلان" ساقطة من "و".
(٣) رواه البخاري موقوفًا على ابن عباس ﵄ (٧/ ١٩٠) رقم (٣٨٤٥). وانظر معناه: فتح الباري (٧/ ١٩٣)، حاشية السيوطي على النسائي (٨/ ٤).
(٤) في "د" و"هـ" و"و": "أي" وهي ساقطة من "أ".
(٥) رواه عبد الرزاق (٧/ ٤٨٢) و(٨/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٨٧).
(٦) انظر: النكت على المحرر (٢/ ٢٨١).
(٧) انظر: ص (٣٧٨).
(٨) في "أ" و"ب": "نقل".
(٩) في "أ": "إليهم".
ظهور اللوث بخيانة الوصيين، فشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما شرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلفوا ويستحقوا دم وليهم؛ لظهور اللوث، فكانت اليمين في جنبتهم١ لقوتها بظهور اللوث في الموضعين، وليس هذا من باب٢ شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة٣، لقوة جانبه، كما حكمَ ﷺ للمدعي بيمينه٤ لما قوي جانبه بالشاهد الواحد، فقوَّة٥ جانب هؤلاءِ بظهور خيانة الوصيين كقوة جانب المدعي بالشَّاهد، وقوة جانبه بنكول خصمه، وقوة جانبه باللوث٦، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين المتاع، وغير ذلك.
فهذا محضُ العدل، ومقتضى أصول الشرع، وموجب القياس الصحيح.
وقولكم: إنَّ هذا يتضمن القسامة في الأموال.
قلنا٧: نعم لعمر الله، وهي أولى بالقبول من القسامة في الدماء، ولا سيما مع ظهور اللوث، وأي فرقٍ بين ظهور اللوث في صحة
(١) "في جنبتهم" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".
(٢) "باب" ساقطة من "أ".
(٣) في "و": "الشاهد".
(٤) "بيمينه" ساقطة من "ب". والحديث تقدم تخريجه.
(٥) في "و": "فقوي".
(٦) "وقوة جانبه باللوث" ساقطة من "ب".
(٧) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢١٣)، فتح الباري (٥/ ٤٨٤).