قال شيخنا: فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص: فيه روايتان، لكن التحليف ها هنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال: لأنَّه إنَّما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلًا، كما في مسألة الوصية، بخلاف ما إذا كانوا أصولًا١، والله سبحانه أعلم.
فصل
قال شيخنا ﵀: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنَّها لا تعتبر، وإن كُنَّا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم٢.
وصرَّح القاضي: بأنَّ العدالة غير معتبرة في هذه الحال، والقرآن يدلُّ عليه٣.
وصرَّح القاضي: أنَّه لا تقبل شهادة فُسَّاق المسلمين في هذا الحال، وجعله محل وفاق، واعتذرَ منه٤.
وفي اشتراط كونهم من أهل الكتاب روايتان٥، وظاهر القرآن أنَّه لا يشترط، وهو الصحيح؛ لأنَّه سبحانه قال للمؤمنين: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾[المائدة: ١٠٦] وغير المؤمنين: هم الكفار كلهم، ولأنَّه موضع
(١) انظر: الاختيارات (٣٥٩)، النكت على المحرر (٢/ ٢٧٦).
(٢) انظر: الاختيارات (٣٥٨)، النكت على المحرر (٢/ ٢٧٢).
(٣) في "أ" زيادة: "وكذلك الأيمان المرفوعة والموقوفة".
ضرورة، وقد لا يحضر الموصي إلَّا كفَّارٌ من غير أهل الكتاب، ولأن تقييده بأهل الكتاب لا دليل عليه؛ ولأنَّ ذلك يستلزم تضييق١ محل الرخصة، مع قيام المقتضي لعمومه.
فإن قيل: فهل يجوز٢ في هذه الصورة٣ أن يحكم بشهادة كافر وكافرتين؟
قيل٤: لا نعرف عن أحمد في هذا شيئًا، ويحتمل أن يقال بجواز ذلك، وهو القياس، فإنَّ الأموال يقبل فيها رجلٌ وامرأتان٥، وهذا قول أبي محمد ابن حزم٦، وهو يحتج بعموم قوله ﷺ: "أَلَيْسَتْ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ "٧، وبهذا العموم جوَّز الحكم أيضًا في هذه الصورة بأربع نسوة كوافر، وليس ببعيد عند الضرورة، إذا لم يحضره إلَّا النساء، بل هو محض الفقه.
فإن قيل: فهل ينقض حكم من حكم بغير حكم هذه الآية؟
قيل: أصول المذهب تقتضي نقض حكمه، لمخالفته نصَّ
(١) "تضييق" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ" وفيها: "وإن تقييده".
(٢) "هل يجوز" ساقطة من "و".
(٣) في "ب": "الضرورة".
(٤) انظر: النكت على المحرر (٢/ ٢٧٣).
(٥) في "أ" زيادة: "وهذا الموضع يدل قبل الضرورة، وهو حكم في الأموال فيقبل فيه رجل وامرأتان".