وأما مذهب أبي حنيفة٢، فقالوا: إذا علم٣ الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به؛ لأن علمه كشهادة الشاهدين، بل أولى؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع، والحاصل بالشهادة غلبة الظن، وأما ما علمه قبل ولايته، أو في غير محل ولايته، فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد٤: يقضي به، كما في حال ولايته٥ ومحلها٦.
قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما إذا٧ علم ذلك
(١) انظر: التاج والإكليل (٨/ ١٣٨)، مواهب الجليل (٦/ ١١٨)، منح الجليل (٨/ ٣٤٤)، عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠١٨). ويظهر أنَّ ابن القيم قد حرَّر مذهب المالكية منه.
(٥) "فلا يقضي عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقضي به كما في حال ولايته" ساقطة من "و".
(٦) انظر: المراجع السابقة.
(٧) "إذا" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ"، أمَّا "و" ففيها: "كما لو"، وصوبه العلامة =
بالبينة العادلة، ثم ولي القضاء، فإنه لا يعمل بها.
قالوا١: وأما الحدود، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنه خصم فيها؛ لأنها حق لله تعالى، وهو نائبه، إلا في حد القذف، فإنه يعمل بعلمه، لما فيه من حق العبد، وإلا في السكر، إذا وجد سكرانًا، أو من به أمارات السكر، فإنه يعزره.
هذا تحصيل مذهب أبي حنيفة.
وأما أهل الظاهر، فقال أبو محمد ابن حزم٢: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء، والأموال، والقصاص، والفروج، والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته. قال٣: وأقوى ما حكم بعلمه، ثم بالإقرار، ثم بالبينة.
فصل
وأما الآثار عن الصحابة ﵃، فصح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لو رأيت رجلًا على حد من حدود الله تعالى لم أحده حتى يكون معي شاهد غيري"٤.
= ابن باز - رحمه الله تعالى - في تعليقه على الطرق.
(١) "قالوا" ساقطة من "و". وانظر: المراجع السابقة.
(٢) المحلَّى (٩/ ٤٢٦)، مراتب الإجماع (٥١).
(٣) "قال" ساقطة من "أ".
(٤) في جميع النسخ عدا "ب" جاء الأثر هكذا: "لو رأيت رجلًا على حدٍّ لم أدع له غيري" وسيذكر المؤلف الأثر كما أثبتناه آخر الفصل. رواه ابن عدي (٥/ ٩٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٤٢). قال ابن كثير: "رواه =