وقال - رحمه الله تعالى -: "عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بوجهها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به. ولا قوة إلا بالله"١ اهـ.
وقال ﵀: "ونوالي علماء المسلمين ونتخير من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة، ونزنها بهما، ولا نزنهما بقول أحد كائنًا من كان، ولا نتخذ من دون الله ورسوله رجلًا يصيب ويخطئ، فنتبعه في كل ما قال، ونمنع - بل نحرم - متابعة غيره في كل ما خالفه فيه، وبهذا أوصانا أئمة الإسلام، فهذا عهدهم إلينا، فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقتهم وهديهم، دون من خالفنا، وبالله التوفيق"٢ ا. هـ.
قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: "كان يتقيد بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها غير معوِّل على الرأي، صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا، ونعمت تلك الجرأة"٣ اهـ.
ثانيًا: تقديم أقوال الصحابة ﵃ على من سواهم:
وهذه سمة ظاهرة جدًّا في كتابنا هذا وفي غيره، فقلّ أن تقرأ فصلًا من كتب ابن القيم إلا وتجده يورد ما بلغه من أقوال مَنْ اصطفاهم الله
تعالى لصحبة نبيه ﷺ فهم "أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا"١. وقد أفاض - رحمه الله تعالى - بالاستدلال لهذا الأصل في "إعلام الموقعين"٢، ووجوب الأخذ به والعمل بموجبه من ستة وأربعين وجهًا.
ثالثًا: السعة والشمول:
إن ابن القيم - رحمه الله تعالى - إذا بحث مسألة استوعب الكلام فيها من جميع جوانبها؛ بسياق الأقوال والآراء، وإبراز أدلتها وبيان وجوه الاستدلال منها، ثم يتبعها بمناقشتها ثم ينتهي به المطاف إلى ترجيح القول الذي يدعمه الدليل٣.
وقد أثنى عليه مترجموه بهذا المسلك، قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "وهو طويل النفس في مؤلفاته، يتعانى الإيضاح جهده فيسهب جدًّا"٤ اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها يتعانى الإيضاح
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥)، والهروي في ذم الكلام (٤/ ٣٨) من قول ابن مسعود ﵁. وانظر: ذم التأويل (٣٢).
(٢) (٤/ ١٤٩).
(٣) ابن قيم الجوزية للعلامة بكر أبو زيد (٩٤).
(٤) البداية والنهاية (١٤/ ٢٠٢) "الطبعة المتوسطة - بيروت" بواسطة كتاب "ابن قيم الجوزية" (٩٧). ولم أجد هذا النص في طبعة هجر، ولا طبعة مكتبة المعارف. ولم أتمكن من الحصول على الطبعة المذكورة.