واحتجَّ أبو محمد ابن حزم١ لهذا القول بقول النبي ﷺ: "بينتك أو يمينه"٢، قال: ومن البينة التي لا بينة٣ أبين منها: علم الحاكم بالمحق من المبطل.
وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم؛ فإنَّه قال: "بينتك" و"البينة" اسمٌ لما يبين الحق، بحيث يظهر المحق من المبطل٤، ويبين ذلك للنَّاس، وعلم الحاكم ليس ببينة.
واحتجوا٥ أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾[النساء: ١٣٥]، وليس في القسط أن يعلم الحاكم أنَّ أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم، ويترك كلًّا٦ منهما على حاله.
قال الآخرون: ليس في هذا محذور، حيث لم يأتِ المظلوم بحجة يحكم له بها، فالحاكم معذور، إذ لا حجَّة معه يوصل بها صاحب الحق إلى حقِّه، وقد قال سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُوْنَ إِليَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكَم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِيَ لَهُ٧، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقَّ أَخِيْهِ
(١) المحلَّى (٩/ ٤٢٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٦٦٧٧) (١١/ ٥٦٦).
(٣) "بينة" ساقطة من "د" و"و".
(٤) قوله "وهذا إلى أن يكون" إلى قوله "يظهر المحق من المبطل" ساقطة من "جـ".
واحتجوا٢ بقول النبي ﷺ: "من رأى منكم مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبِهِ"٣، وإذا رأى الحاكم وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله، وسمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثُمَّ رأى الرجلَ مستمرًا في إمساك الزوجة، أو بيع من صرح بعتقه، فقد أقرَّ على المنكر الَّذي أمر بتغييره٤.
قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم٥ النَّاس أنَّه منكر، بحيث٦ لا تتطرق إليه تهمة في تغييره، وأمَّا إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته لم يشهد أحد أنَّه طلقها ولا أعتقها ألبتة، ولا سمع بذلك أحدٌ قطُّ، ففرق بينهما، وزعمَ أنَّه سمعه٧ طلق وأعتق: فإنَّه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق النَّاس إلى اتهامه والوقوع في عرضه، وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجلٍ مستور بين النَّاس، غير مشهور بفاحشة، ولم يقم٨ عليه شاهد واحد بها، فيرجمه،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: المحلَّى (٩/ ٤٢٩).
(٣) رواه مسلم رقم (٤٩) (٢/ ٣٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.