واحتجوا٢ بقول النبي ﷺ: "من رأى منكم مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبِهِ"٣، وإذا رأى الحاكم وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله، وسمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثُمَّ رأى الرجلَ مستمرًا في إمساك الزوجة، أو بيع من صرح بعتقه، فقد أقرَّ على المنكر الَّذي أمر بتغييره٤.
قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم٥ النَّاس أنَّه منكر، بحيث٦ لا تتطرق إليه تهمة في تغييره، وأمَّا إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته لم يشهد أحد أنَّه طلقها ولا أعتقها ألبتة، ولا سمع بذلك أحدٌ قطُّ، ففرق بينهما، وزعمَ أنَّه سمعه٧ طلق وأعتق: فإنَّه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق النَّاس إلى اتهامه والوقوع في عرضه، وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجلٍ مستور بين النَّاس، غير مشهور بفاحشة، ولم يقم٨ عليه شاهد واحد بها، فيرجمه،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: المحلَّى (٩/ ٤٢٩).
(٣) رواه مسلم رقم (٤٩) (٢/ ٣٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) في "ب": "الَّذي لم يغير" هكذا.
(٥) في "و": "علم".
(٦) "بحيث" ساقطة من "و".
(٧) "سمعه" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".
(٨) في "د" و"هـ" و"و": "ولم يشهد".
ويقول: رأيته يزني؟ أو يقتله، ويقول: سمعته يسب؟ أو يفرِّق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا إلَّا محض التهمة؟
ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاضٍ له عدوٌّ السبيل١ إلى قتل عدوه، ورجمه، وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها، وحتَّى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك٢، وهذا إذا قيل في شريح، وكعب بن سور، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي٣، وحفص بن غياث وأضرابهم كان فيه ما فيه.
وقد ثبت عن أبي بكر٤ وعمر٥ وعبد الرحمن بن عوف٦ وابن عباس٧ ومعاوية٨﵃ المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف.
فذكر البيهقي وغيره عن أبي بكر الصديق أنَّه قال: "لو وجدت