القاضي إذا شهد عنده أربعة بالزنا أن يسأل عن عدالتهم وتزكيتهم.
قال شيخنا: وهذا يقتضي أنَّ القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية، والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان١.
وإذا كان يقضي بشاهدٍ واحدٍ مع اليمين، وبدونها، وبالنكول، وبشهادة المرأة الواحدة - حيث يحكم بذلك - فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى، وبيان الحق به أعظم من بيانه بنصاب الشهادة.
فإن قيل: فلو تواتر عنده زنا رجل أو امرأة، فهل له أن يحدهما بذلك؟
قيل٢: لا بُدَّ في إقامة الحدِّ بالزنا من معاينة ومشاهدة له، ولا تكفي فيه القرائن واستفاضته في النَّاس، ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ومشاهدته للاختفاء به وستره عن العيون، فيستحيل في العادة أن يتواتر الخبر عن معاينته.
نعم، لو قُدِّرَ ذلك - بأن أتى ذلك بين النَّاسِ عيانًا، وشاهده٣ عددٌ كثير يقع العلم الضروري بخبرهم - حُدّ بذلك قطعًا٤، ولا يليق بالشريعة غير ذلك، ولا تحتمل سواه.
وهي درجة بين التواتر والآحاد، فالاستفاضة: هي الاشتهار الَّذي يُحدَّث به النَّاس، وفاض بينهم.
وقد قسم الحنفية٢ الأخبار إلى ثلاثة أقسام: آحاد، وتواتر، واستفاضة٣، وجعلوا المستفيض مرتبة بين المرتبتين، وخصوا به عموم القرآن، وقالوا: هو بمنزلة التواتر، ومنهم٤ من جعله قسمًا من أقسام التواتر.
وهذا النوع من الأخبار يجوز استناد الشهادة إليه، ويجوز أن يعتمد الزوج عليه في قذف امرأته ولعانها، إذا استفاض في النَّاس زناها، ويجوز اعتماد الحاكم عليه.
(١) انظر: الهداية مع البناية (٨/ ١٥٣)، القوانين (٣٢٢)، روضة الطالبين (٨/ ٢٣٩)، أدب القضاء للغزي (١٩٠)، فتح الباري (٥/ ٣٠١)، المغني (١٤/ ١٤١)، المحرر (٢/ ٢٤٥)، الإنصاف (٢٩/ ٢٧٠)، الفواكه العديدة (٢/ ٣٠١).
(٢) انظر: المغني في أصول الفقه (١٩٣)، أصول السرخسي (١/ ٢٩١)، إرشاد الفحول (٩٤).
(٣) وسماه بعضهم "مشهورًا". المغني في أصول الفقه (١٩٢)، أصول السرخسي (١/ ٢٩١)، أصول الشاشي (٢٦٩).
(٤) كالجصاص. انظر: المغني في أصول الفقه للبخاري (١٩٣)، وأصول السرخسي (١/ ٢٩١)، إرشاد الفحول (٩٤).