وقول الإمام أحمد: "إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط، ينفذ ما فيها١ " يرد ما قال القاضي، فإنَّ أحمد علَّق الحكم٢ بالمعرفة والشهرة، من غير اعتبار لمعاينة الفعل، وهذا هو الصحيح، فإنَّ القصدَ حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه، فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ٣ إليه، فإنَّ الخطَّ دالٌّ على الَّلفظ، والَّلفظ دالٌّ على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يُفرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه في خط كل كاتب ما يتميز به٤ عن خط غيره كتميز صورته عن صورته وصوته عن صوته٥، والنَّاسُ يشهدون شهادة لا يستريبون على أنَّ هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي، ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعًا لمنع في الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه، لجواز المحاكاة.
وقد دلَّت الأدلة المتضافرة - التي تقرب من القطع - على قبول
(١) انظر: المغني (٨/ ٤٧٠)، الشرح الكبير (١٧/ ٢٠٤)، مسألة العمل بالخطوط (٣١)، المحرر (٢/ ٢١١)، الفروع (٦/ ٤٨٨)، القواعد الكلية لابن عبد الهادي (١٠٣)، مطالب أولي النهى (٤/ ٤٤٥)، كشاف القناع (٤/ ٣٣٧).
(٢) "علق الحكم" ساقطة من "ب".
(٣) في "ب": "بنسبة الخط".
(٤) في "ب": "ما يغيره".
(٥) "صورته عن صورته وصوته عن صوته" ساقطة من "ب".
شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت١، مع أنَّ تشابه الأصوات - إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط - فليس دونه٢.
وقد صرَّح أصحاب أحمد٣ والشافعي٤ بأنَّ الوارث إذا وجد في دفتر مورثه: أنَّ لي عند فلان كذا، جازَ له أن يحلف على استحقاقه. وأظنه منصوصًا عنهما٥. وكذلك لو وجد في دفتره: أنِّي أديت إلى فلان ما عليّ، جاز له أن يحلف على ذلك٦ إذا وثق بخط مورثه وأمانته٧.
ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى٨ بعض، ولا يشهدون متحملها على ما فيها، ولا
(١) انظر: المغني (١٤/ ١٧٨)، المحرر (٢/ ٢٨٨)، الاختيارات (٣٦٠)، حاشية ابن عابدين (٥/ ٥٠٤)، الشرح الكبير والإنصاف (٢٩/ ٤٠١)، مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٣٥٧)، مصنف عبد الرزاق (٨/ ٣٢٣)، أخبار القضاة (٢/ ٢٥١)، الذخيرة (١٠/ ١٦٤)، المعونة (٣/ ١٥٥٧).
(٢) في "د" و"هـ" و"و": "بدونه".
(٣) انظر: المغني (١٤/ ١٣٢)، الشرح الكبير (٣٠/ ٢٨)، الفروع (٤/ ٤٨٦)، تصحيح الفروع (٤/ ٤٨٨)، المبدع (١٠/ ٢٦٣)، القواعد الكلية لابن عبد الهادي (١٠٤)، مسألة العمل بالخطوط (٢٨)، مطالب أولي النهى (٤/ ٤٤٥).
(٤) انظر: روضة الطالبين (٨/ ٢٤٤)، المنثور في القواعد (٣/ ٢٨٦)، الغاية في شرح الهداية (١/ ١٦٦).
(٥) انظر: مسألة العمل بالخطوط (٢٧)، القواعد الكلية لابن عبد الهادي (١٠٤).
(٦) في "ب" و"و": "أن يحلف على استحقاقه".
(٧) انظر: المغني (١٤/ ١٣٢)، مسألة العمل بالخطوط (٢٨).