ذاك إذ النَّاس ناس، وأمَّا الآن فكلا ولما١، وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى، حتَّى قال مالك: كان من أمرِ النَّاس القديم إجازة الخواتم، حتَّى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب، فما يزيد٢ على ختمه، حتَّى اتهم النَّاس، فصار لا يقبل إلَّا بشاهدين٣.
وقال محمد بن عبد الحكم٤: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط؛ لأنَّ النَّاسَ قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد كان النَّاسُ فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي٥
فإن قيل: فما تقولون في الدَّابة يوجد على فخذها "صدقة" أو "وقف" أو "حبس" هل للحاكم أن يحكم بذلك؟
قيل: نعم، له أن يحكم به، وصرَّح به أصحاب مالك٦، فإنَّ هذه أمارة ظاهرة، ولعلها أقوى من شهادة الشاهد٧، وقد ثبتَ في
(١) في "و": "فكلا ولا".
(٢) في "ب" و"جـ" و"د" و"هـ" و"و": "فلم يزد".
(٣) في جميع النسخ عدا "أ": "إلَّا شاهدان". انظر: المنتقى (٥/ ٢٠٢)، تنبيه الحكام (١٦٢)، تبصرة الحكام (٢/ ١٦٥)، الذخيرة (١٠/ ١٠٠).
"الصحيحين"١ من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "غَدَوْتُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بعَبْدِ اللهِ بن أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنَّكَهُ٢، فوافيته في يَدِهِ المِيْسَمُ٣ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ"، وللإمام أحمد٤ عنه: "دخلتُ على النبي ﷺ وهو يَسِمُ غَنَمًا في آذانها".
وروى مالكٌ في "الموطأ"٥ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه قال لعمر بن الخطاب ﵁: "إنَّ في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها، قال: فقلت: هي عمياء، فقال عمر٦: يقطرونها بالإبل٧، قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال: فقال عمر: أَمِنْ نَعَمِ الجزية هي أَمِ مِنْ نعم الصدقة؟ فقلت: مِنْ
(١) البخاري في الزكاة باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده رقم (١٥٠٢) (٣/ ٤٢٩)، ومسلم في اللباس والزينة باب جواز وسم الحيوان رقم (٢١١٩) (١٤/ ٣٤٦).
(٢) التحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به. فتح الباري (٩/ ٥٠١).
(٣) الميسم بوزن مفعل مكسور الأوَّل وهي الحديدة التي يوسم بها أي يعلم وهو نظير الخاتم. فتح الباري (٣/ ٤٢٩).
(٤) المسند (٣/ ١٦٩)، وقد أخرجه مسلم رقم (٢١١٩) مكرر (١٤/ ٣٤٥) ونحوه عند البخاري رقم (٥٥٤٢) (٥/ ٥٨٨) من حديث أنس ﵁.
(٥) الموطأ (١/ ٢٧٩)، ومن طريقه رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٠٥)، والبيهقي (٧/ ٥٥).
(٦) قوله: "ادفعها إلى أهل بيت" إلى قوله "تأكل من الأرض قال فقال عمر" ساقطة من "أ".
(٧) وهو أن تشد الإبل على نسق واحدًا خلف واحد. النهاية (٤/ ٨٠).