"الصحيحين"١ من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "غَدَوْتُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بعَبْدِ اللهِ بن أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنَّكَهُ٢، فوافيته في يَدِهِ المِيْسَمُ٣ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ"، وللإمام أحمد٤ عنه: "دخلتُ على النبي ﷺ وهو يَسِمُ غَنَمًا في آذانها".
وروى مالكٌ في "الموطأ"٥ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه قال لعمر بن الخطاب ﵁: "إنَّ في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها، قال: فقلت: هي عمياء، فقال عمر٦: يقطرونها بالإبل٧، قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال: فقال عمر: أَمِنْ نَعَمِ الجزية هي أَمِ مِنْ نعم الصدقة؟ فقلت: مِنْ
(١) البخاري في الزكاة باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده رقم (١٥٠٢) (٣/ ٤٢٩)، ومسلم في اللباس والزينة باب جواز وسم الحيوان رقم (٢١١٩) (١٤/ ٣٤٦).
(٢) التحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به. فتح الباري (٩/ ٥٠١).
(٣) الميسم بوزن مفعل مكسور الأوَّل وهي الحديدة التي يوسم بها أي يعلم وهو نظير الخاتم. فتح الباري (٣/ ٤٢٩).
(٤) المسند (٣/ ١٦٩)، وقد أخرجه مسلم رقم (٢١١٩) مكرر (١٤/ ٣٤٥) ونحوه عند البخاري رقم (٥٥٤٢) (٥/ ٥٨٨) من حديث أنس ﵁.
(٥) الموطأ (١/ ٢٧٩)، ومن طريقه رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٠٥)، والبيهقي (٧/ ٥٥).
(٦) قوله: "ادفعها إلى أهل بيت" إلى قوله "تأكل من الأرض قال فقال عمر" ساقطة من "أ".
(٧) وهو أن تشد الإبل على نسق واحدًا خلف واحد. النهاية (٤/ ٨٠).
نَعَمِ الجزية، فقال عمر: أردتم والله١ أكلها؛ قلت: إنَّ عليها وسم الجزية"، ولولا أنَّ الوسم يميز الصدقة من غيرها، ويشهد لما هو وسم عليه؛ لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلَّا ذلك؛ ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده٢.
فإن قيل: فما تقولون في الدَّارِ يوجد على بابها أو حائطها الحجر مكتوب فيه "إنَّها وقف" أو "مسجد" هل يحكم بذلك؟
قيل: نعم؛ يقضى به، ويصير وقفًا؛ صرَّح به بعض أصحابنا٣؛ وممَّن ذكره الحارثي٤ في "شرحه"٥
فإن قيل: يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع؟
قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين؛ بل هذا أقرب؛ لأنَّ الحجرَ يشاهد جزءًا من الحائط داخلًا فيه، ليس عليه شيء من أمارات النقل؛ بل يقطع غالبًا بأنَّه بني مع الدَّار، ولا سيما حجر عظيم، وضع
(١) "والله" مثبتة من "جـ".
(٢) "بل لا فائدة للوسم إلَّا ذلك ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده" ساقطة من "أ".
(٤) مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي أبو محمد، شرح قطعة من سنن أبي داود وقطعة من كتاب المقنع، توفي سنة ٧١١ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: البداية والنهاية (١٨/ ١١٩)، شذرات الذهب (٨/ ٥٣)، الدرر الكامنة (٥/ ١١٦).