الطرق الحكمية

اليَهُودِ١ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ: جئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الوَلَدِ؟ فَقَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المَرْأَةِ، أَذْكَرا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ المَرْأَةِ منيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بإِذْنِ اللهِ"٢.

وسمعتُ شيخنا ﵀ يقول: في صحة هذا اللفظ نظر٣.

قلت: لأنَّ٤ المعروف المحفوظ في ذلك إنَّما هو تأثير سبق الماء في الشبه، وهو الَّذي ذكره البخاري من حديث أنس: "أنَّ عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال النبي ﷺ: "وَأَمَّا الوَلدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُل مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الوَلَدَ"٥.

فهذا السؤال الَّذي سأل عنه عبد الله بن سلام والجواب الَّذي أجابه به النبي ﷺ هو نظير٦ السؤال الَّذي سأل عنه الحبر، والجواب واحد، ولا سيما إن كانت القصة واحدة، والحبر هو عبد الله بن سلام، فإنَّه

  1. (١) قيل: هو عبد الله بن سلام ﵁، كما سيذكر ذلك المؤلِّف قريبًا.
  2. (٢) رواه مسلم رقم (٣١٥) (٣/ ٢٣٠).
  3. (٣) انظر: تحفة المودود (١٦٧)، التبيان (٢١٤)، إعلام الموقعين (٤/ ٣٣٤)، زاد المعاد (٥/ ٤١٩).
  4. (٤) "لأنَّ" ساقطة من "أ".
  5. (٥) البخاري رقم (٣٩٣٨) (٧/ ٣١٩).
  6. (٦) في "ب": "بغير"، وفي "هـ": "لعين"، وصحح العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى - "بعينه".
584

سأله وهو على دين اليهود، فأنس عيَّن اسمه، وثوبان قال: "جاء حبر من اليهود" وإن كانتا قصتين والسؤال واحد فلا بُدَّ أن يكون الجواب كذلك.

وهذا يدلُّ على أنَّهم إنَّما سألوا عن الشبه، ولهذا وقع الجواب به وقامت به الحجة، وزالت به الشبهة.

وأمَّا الإذكار والإيناث فليس بسبب١ طبيعي، وإنَّما سببه٢ الفاعل المختار الَّذي يأمر الملك به، مع تقدير الشقاوة والسعادة، والرزق، والأجل، ولذلك جمع بين هذه الأربع في الحديث: "فَيَقُولُ المَلَكُ: يَا رَبِّ، ذَكَرٌ؟ يَا ربِّ، أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا يَشَاءُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ"٣.

وقد ردَّ سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ٥٠﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].

والتعليق بالمشيئة وإن كان لا ينافي ثبوت السبب٤ فذلك إذا علم كون الشيء سببًا، ودلَّ على سببيته العقل والنص، والإذكار والإيناث

  1. (١) في "أ": "فليس له سبب"، وفي "هـ": "فليس بسبب".
  2. (٢) انظر: التبيان لابن القيم (٢١٣)، تحفة المودود (١٦٦).
  3. (٣) البخاري رقم (٣٣٣٢)، ومسلم رقم (٢٦٤٥) (١٦/ ٤٣١) من حديث ابن مسعود ﵁، واللفظ لمسلم.
  4. (٤) في "أ": "ثبوت المسبب".
585

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي