[لا] يعلم له سببٌ طبيعي يعلمِ بالعقل وبالنص١، وقد قال ﷺ في حديث أم سليم: "مَاءُ الرَّجُلِ غلِيْظٌ أَبْيَضُ، ومَاءُ المَرْأَةِ رَقِيْقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أيهما عَلَا٢ - أَوْ سَبَقَ - يَكُوْنُ الشَّبَهُ"٣، فجعل للشبه سببين: علو الماء، وسبقه.
وبالجملة، فعامة الأحاديث إنَّما هي في تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه، وإنَّما جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده٤، وهو فرد بإسناده، فيحتمل أنَّه اشتبه على الرَّاوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث، وإن كان قد قاله رسول الله ﷺ فهو الحقُّ الَّذي لا شكَّ فيه، ولا ينافي سائر الأحاديث، فإنَّ الشبه من السبق، والإذكار والإيناث من العلو، وبينهما فرق، وتعليقه على المشيئة٥ لا ينافي تعليقه على السبب، كما أنَّ الشقاوة والسعادة والرزق معلقات٦ بالمشيئة، وحاصلة٧ بالسبب، والله أعلم.
(١) "والإذكار والإيناث يعلم له سببٌ طبيعي يعلم بالعقل وبالنَّص" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ". ولعلَّ عدم إثباته هو الصواب لكونه يتعارض مع ما ذكره ابن القيم أعلاه بقوله: "وأمَّا الإذكار والايناث: فليس بسبب طبيعي" ا. هـ. والله أعلم.
(٢) في "أ": "علق".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم لفظه وتخريجه.
(٥) في "هـ" و"و": "الشبه".
(٦) في "أ": "تعلقًا"، وفي "هـ": "معلقًا"، وفي "و": "متعلقات".
(٧) في "أ" و"ب" و"هـ": "وحاصل".
والمقصود أنَّ النبي ﷺ اعتبر الشبه في لحوق النسب، وهذا معتمد القائف، لا معتمد له سواه١، وقد قال النبي ﷺ في قصة المتلاعنين: "إن جَاءَتْ بهِ أَكْحَلَ العَيْنَين، سَابِغَ٢ الإِلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ٣ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيك ابن سَحْمَاءَ" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" رواه البخاري٤، فاعتبر النبي ﷺ الشبه وجعله لِمُشْبِهِهِ.
فإن قيل: فهذا حجة عليكم؛ لأنَّه - مع صريح الشبه - لم يلحقه بِمُشْبهه في الحكم٥، قيل: إنَّما منع إعمال الشبه لقيام مانع اللعان، ولهذا قال ﷺ: "لَوْلَا الأيمانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شأْنٌ"٦، فاللعان سبب
(٢) أي تامهما وعظيمهما. انظر: النهاية (٢/ ٣١٨)، المجموع المغيث (١/ ٥٦).
(٣) أي عظيمهما. انظر: النهاية (٢/ ١٥)، المجموع المغيث (١/ ٥٥٦).
(٤) في التفسير، باب "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنَّهُ لمن الكاذبين" رقم (٤٧٤٧) (٨/ ٣٠٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) انظر: المبسوط (١٧/ ٧٠).
(٦) رواه أحمد (١/ ٢٣٨)، وأبو داود رقم (٢٢٥٦)، والطيالسي رقم (٢٦٦٧)، وأبو يعلى (٥/ ١٢٤) رقم (٢٧٤٠)، والبيهقي (٧/ ٦٤٨) من حديث ابن عباس ﵄. ورواه الدَّارقطني (٣/ ٢٧٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه الروياني رقم (١٠٧٩) من حديث سهل بن سعد ﵁. قال ابن كثير ﵀: "ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة" ا. هـ. التفسير (٦/ ١٤)، والحديث رواه البخاري رقم (٤٧٤٧) بلفظ: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها =