بين الوالدين والولد من يلحق الولد بأُمَّين١؟ فأين أحد هذين الحكمين من الآخر، في العقل والشرع والعرف والقياس؟٢
وما أثبت الله ورسوله قط حكمًا من الأحكام يقطع ببطلان سببه حسًّا أو عقلًا، فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك، فإنَّه لا أحسن حكمًا منه ﷾ ولا أعدل، ولا يحكم حكمًا يقول العقل: ليته حكم بخلافه، بل أحكامه كلها ممَّا تشهد العقول والفطرة بحسنها، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها، وأنَّه لا يصلح في موضعها سواها.
وأنت إذا عرضت على العقول كون الولد ابن أُمَّين٣ لم تجد قبولها له كقبولها لكون الولد لمن أشبهه٤ الشبه البين، فإنَّ هذا موافق لعادة الله وسنته في خلقه، وذلك مخالف لعادته وسنته.
وقولهم: "إنَّهما٥ استويا في سبب الإلحاق - وهو الدعوى - فيستويان في الحكم، وهو لحوق النسب".
(١) في "و": "باثنين". والإلحاق بأُمَّين حكمًا قول الإمام أبي حنيفة وخالفه صاحباه والجمهور. انظر: المبسوط (١٧/ ٧١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٤٤)، البحر الرائق (٤/ ٢٤٤)، مختصر المزني "مع الأم" (٩/ ٣٣٤)، سنن البيهقي (١٠/ ٤٥٢)، الحاوي الكبير (١٧/ ٣٨١)، المحرر (٢/ ١٠٢)، الجامع الصغير (٣٨٠) تهذيب الفروق (٤/ ١٦٦).
(٢) انظر: تهذيب الفروق (٤/ ٦٦٦).
(٣) في "ب" و"جـ" و"و": "ابن اثنين".
(٤) في "أ" و"ب" و"د" و"و": "من شبهه".
(٥) في "أ": "إنهم قد".
فيقال: القاعدة أنَّ صحة الدعوى يُطلب بيانها من غير جهة المدعي مهما أمكن، وقد أمكن ها هنا بيانها١ بالشبه الَّذي يطلع عليه القائف، فكان اعتبار صحتها بذلك أولى من اعتبار صحتها بمجرد الدعوى، فإذا انتفى السبب الَّذي يبين صحتها من غير جهة المدعي - كالفراش والقافة - بغير٢ إعمال الدعوى، فإذا استويا فيها٣ استويا في حكمها، فهذا محض الفقه، ومقتضى قواعد الشرع، وأمَّا أن تعمل الدعوى المجردة مع ظهور ما يخالفها من الشبه البين الَّذي نصبه الله ﷾ علامة لثبوت النسب شرعًا وقدرًا، فهذا مخالف للقياس ولأصول الشرع.
وقد قال النبي ﷺ: "البَيِّنَةُ على المدَّعِي"٤، و"البينة" اسمٌ لما يبين صحة الدعوى، والشبه مُبَيِّن صحة الدعوى، فإذا كان من جانب أحد المتداعيين٥ كان النسب له، وإن٦ كان من جهتهما كان النسب لهما.
وقولهم٧: "لو أثَّر الشبه والقافة في نتاج الآدمي لأثر في نتاج
(١) "بيانها" ساقطة من "ب".
(٢) قال العلامة ابن باز ﵀ في تعليقه على الكتاب: لعله: "بقي".