فيقال: القاعدة أنَّ صحة الدعوى يُطلب بيانها من غير جهة المدعي مهما أمكن، وقد أمكن ها هنا بيانها١ بالشبه الَّذي يطلع عليه القائف، فكان اعتبار صحتها بذلك أولى من اعتبار صحتها بمجرد الدعوى، فإذا انتفى السبب الَّذي يبين صحتها من غير جهة المدعي - كالفراش والقافة - بغير٢ إعمال الدعوى، فإذا استويا فيها٣ استويا في حكمها، فهذا محض الفقه، ومقتضى قواعد الشرع، وأمَّا أن تعمل الدعوى المجردة مع ظهور ما يخالفها من الشبه البين الَّذي نصبه الله ﷾ علامة لثبوت النسب شرعًا وقدرًا، فهذا مخالف للقياس ولأصول الشرع.
وقد قال النبي ﷺ: "البَيِّنَةُ على المدَّعِي"٤، و"البينة" اسمٌ لما يبين صحة الدعوى، والشبه مُبَيِّن صحة الدعوى، فإذا كان من جانب أحد المتداعيين٥ كان النسب له، وإن٦ كان من جهتهما كان النسب لهما.
وقولهم٧: "لو أثَّر الشبه والقافة في نتاج الآدمي لأثر في نتاج
(١) "بيانها" ساقطة من "ب".
(٢) قال العلامة ابن باز ﵀ في تعليقه على الكتاب: لعله: "بقي".
(٣) "استويا فيها" ساقطة من "ب".
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) وفي "د" و"هـ": "المتلاعنين".
(٦) في "أ" و"د" و"هـ": "فإذا".
(٧) انظر: المبسوط (١٧/ ٧١).
الحيوان".
جوابه من وجوه:
أحدها: منع الملازمة، إذ لم يذكروا عليها دليلًا سوى مجرَّد الدعوى، فأين التلازم شرعًا وعقلًا بين النَّاس والحيوان١؟
الثاني: أنَّ الشارع متشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن، ولا يحكم بانقطاع النسب إلَّا حيث يتعذَّر إثباته، ولهذا ثبته بالفراش وبالدعوى وبالأسباب التي بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان٢.
الثالث: أن إثبات النسب فيه حق لله وحق للولد وحق للأب، ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم وتمامها٣، فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان.
الرَّابع: أنَّ سببه الوطء، وهو إنَّما يقع غالبًا في غاية التستر، ويكتم عن العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه، فلو كلف البينة على سببه لضاعت أنساب بني آدم، وفسدت أحكام الصلات التي بينهم، ولهذا ثبت بأيسر شيء من فراش ودعوى وشبه، حتَّى أثبته أبو حنيفة بمجرد العقد، مع القطع بعدم وصول أحدهما إلى الآخر٤، وأثبته
(١) "والحيوان" مثبتة من "جـ"، وصححها العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى -.
(٢) انظر: روضة الطالبين (٨/ ٣٧٨)، الحاوي الكبير (١٧/ ٣٨٥).
(٣) "وتمامها" مثبتة من "أ".
(٤) انظر: البحر الرَّائق (٤/ ٢٦٢)، فتح القدير (٤/ ٣٤٨)، الدر المختار (٣/ ٥٧٨)، البناية (٥/ ٤٥٣).