أحدها: منع الملازمة، إذ لم يذكروا عليها دليلًا سوى مجرَّد الدعوى، فأين التلازم شرعًا وعقلًا بين النَّاس والحيوان١؟
الثاني: أنَّ الشارع متشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن، ولا يحكم بانقطاع النسب إلَّا حيث يتعذَّر إثباته، ولهذا ثبته بالفراش وبالدعوى وبالأسباب التي بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان٢.
الثالث: أن إثبات النسب فيه حق لله وحق للولد وحق للأب، ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم وتمامها٣، فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان.
الرَّابع: أنَّ سببه الوطء، وهو إنَّما يقع غالبًا في غاية التستر، ويكتم عن العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه، فلو كلف البينة على سببه لضاعت أنساب بني آدم، وفسدت أحكام الصلات التي بينهم، ولهذا ثبت بأيسر شيء من فراش ودعوى وشبه، حتَّى أثبته أبو حنيفة بمجرد العقد، مع القطع بعدم وصول أحدهما إلى الآخر٤، وأثبته
(١) "والحيوان" مثبتة من "جـ"، وصححها العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى -.
(٢) انظر: روضة الطالبين (٨/ ٣٧٨)، الحاوي الكبير (١٧/ ٣٨٥).
(٣) "وتمامها" مثبتة من "أ".
(٤) انظر: البحر الرَّائق (٤/ ٢٦٢)، فتح القدير (٤/ ٣٤٨)، الدر المختار (٣/ ٥٧٨)، البناية (٥/ ٤٥٣).
لأُمَّين١ مع القطع بعدم خروجه منهما احتياطًا للنسب، ومعلوم أنَّ الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير.
الخامس: أنَّ المقصود من نتاج الحيوان إنَّما هو المال المجرَّد، فدعواه دعوى مال محض، بخلاف دعوى النسب، فأين دعوى المال من دعوى النسب٢؟ وأين أسباب ثبوت أحدهما من أسباب ثبوت الآخر؟
السادس: أنَّ المالَ يباح بالبذل، ويُعاوَضُ عليه، ويقبل النقل، وتجوز الرغبة عنه، والنسب بخلاف ذلك.
السَّابع: أنَّ الله سبحانه جعل بين أشخاص الآدميين من الفرق في صورهم وأصواتهم وحلاهم ما يتميز به بعضهم من بعض، ولا يقع الاشتباه بينهم، بحيث يتساوى الشخصان من كلِّ وجهٍ إلَّا في غاية الندرة، مع أنَّه لا بُدَّ من الفرق، وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان، بل التشابه فيه أكثر والتماثل أغلب، فلا يكاد الحس يميز بين نتاج الحيوان ونتاج غيره برد كل منهما إلى أُمِّه وأبيه، وإن كان قد يقع ذلك، لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدمي، فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع.
قولهم٣: "إنَّ الاعتماد في القافة على الشبه، وهو أمر
(١) وفي "ب" و"د" و"و": "لاثنين". وانظر: المبسوط (١٧/ ٧١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٤٤)، البحر الرَّائق (٤/ ٢٤٤).
(٢) "فأين دعوى المال من دعوى النسب" ساقطة من "ب" و"و". وانظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٣٨٥).
(٣) في النسخ عدا "أ" و"جـ" "الثامن". وهو خطأ لكون الأجوبة السبعة السابقة =