مدلج، وتقر لهم به، مع أنَّه لا يختص بهم١، ولا يشترط في القائف كونه منهم.
قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن القائف هل يقضى بقوله؟ قال: يقضى بقوله إذا علم، وأهل الحجاز يعرفون ذلك٢.
وشرط بعض الشافعية كونه مدلجيًّا٣، وهذا ضعيف جدًّا لا يلتفت إليه.
قال عبد الرحمن بن حاطب: "كُنت جالسًا عند عمر ﵁، فجاءه رجلان في غلام، كلاهما يدعي أنَّه ابنه، فقال عمر ﵁: ادعوا لي أخا بني المصطلق، فجاء فقال: انظر ابن أيهما تراه؟ فقال: قد اشتركا فيه"٤ وذكر بقية الخبر، وبنو المصطلق بطن من خزاعة لا نسب لهم في بني مدلج.
وكذلك إياس بن معاوية٥ كان غاية في القيافة وهو من مزينة، وشريح بن الحارث القاضي كان قائفًا، وهو من كندة، وقد قال أحمد: أهل الحجاز يعرفون ذلك، ولم يخصه ببني مدلج.
والمقصود: أنَّ أهل القيافة كأهل الخبرة وأهل الخرص والقاسمين
(٥) انظر: الشرح الكبير (١٦/ ٣٥٤)، كشاف القناع (٤/ ٢٣٦).
وغيرهم، ممَّن اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم، ولهم فيها علامات يختصون بمعرفتها من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة، وأبلغ من ذلك النَّاس يجتمعون لرؤية الهلال، فيراه من بينهم الواحد والاثنان، فيحكم بقوله أو قولهما دون بقية الجمع.
قولهم: "إنَّا ندرك التشابه بين الأجانب والاختلاف بين المشتركين في النسب".
قلنا١: نعم، لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك، وهو الَّذي أجرى الله ﷾ به العادة، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النَّادر لا يخرجه عن أن يكون دليلًا عند عدم معارضة ما يقاومه، ألا ترى أنَّ الفراش دليل على النسب والولادة، وأنَّه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرًا - تخلف دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما، وكذلك دلالة الأقراء والقرء٢ الواحد على براءة الرحم، إنَّما هو دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالته، ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير.
(١) انظر: زاد المعاد (٥/ ٤٢١).
(٢) القرء بفتح القاف: الحيض أو الطهر وهو من الأضداد. انظر: المطلع (٣٣٤).