وغيرهم، ممَّن اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم، ولهم فيها علامات يختصون بمعرفتها من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة، وأبلغ من ذلك النَّاس يجتمعون لرؤية الهلال، فيراه من بينهم الواحد والاثنان، فيحكم بقوله أو قولهما دون بقية الجمع.
قولهم: "إنَّا ندرك التشابه بين الأجانب والاختلاف بين المشتركين في النسب".
قلنا١: نعم، لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك، وهو الَّذي أجرى الله ﷾ به العادة، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النَّادر لا يخرجه عن أن يكون دليلًا عند عدم معارضة ما يقاومه، ألا ترى أنَّ الفراش دليل على النسب والولادة، وأنَّه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرًا - تخلف دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما، وكذلك دلالة الأقراء والقرء٢ الواحد على براءة الرحم، إنَّما هو دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالته، ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير.
(١) انظر: زاد المعاد (٥/ ٤٢١).
(٢) القرء بفتح القاف: الحيض أو الطهر وهو من الأضداد. انظر: المطلع (٣٣٤).
قولهم: "إنَّ الاستلحاق موجب للحوق النسب، وقد اشتركا فيه، فيشتركان في موجبه".
قلنا: هذا صحيح، إذا لم يتميز أحدهما بأمرٍ خارج عن الدعوى، فأمَّا إذا تميز بأمرٍ آخر، كالفراش والشبه، كان اللحاق به، كما لو تميز بالبينة، بل الشبه نفسه بينة من أقوى البينات، فإنَّها اسمٌ لما يبين الحق ويظهره، وظهور الحق ها هنا بالشبه أقوى من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط والكذب، وأقوى بكثير من فراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه.
قولهم: "القائف إمَّا شاهد وإما حاكم" إلخ.
قلنا: هذا فيه قولان لمن يقول بالقافة، هما روايتان عن أحمد١، ووجهان لأصحاب الشافعي٢، مبنيان على أنَّ القائف هل هو حاكم أو شاهد؟ عند طائفة من أصحابنا وعند آخرين ليسا مبنيين على ذلك، بل الخلاف جار، سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد كما نعتبر حاكمين في جزاء الصيد٣.