أعلم، بل هذا أولى من الطبيب والبيطار؛ لأنهما أكثر وجودًا منه، فإذا اكتفي بالواحد منهما - مع عدم غيره - فالقائف أولى.
وأما قولكم: "إن داود وسليمان لم يحكما بالقافة في قصة الولد الذي ادعته المرأتان".
فيقال: قد اختلف القائلون بالقافة: هل يعتبر في تداعي المرأتين كما يعتبر في تداعي الرجلين؟ وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي١:
أحدهما: لا يعتبر ها هنا، وإن اعتبر في تداعي٢ الرجلين.
قالوا: والفرق بينهما أنا يمكننا التوصل إلى معرفة الأم يقينًا٣، بخلاف الأب، فإنا لا سبيل لنا فيه إلى ذلك، فاحتجنا إلى القافة، وعلى هذا فلا إشكال.
والوجه الآخر - وهو الصحيح -: أن القافة تجري ها هنا كما تجري بين الرجلين، قال أحمد - في رواية ابن٤ الحكم٥ في يهودية ومسلمة ولدتا، فادعت اليهودية ولد المسلمة - قيل له: يكون في هذا
(٥) محمد بن الحكم أبو بكر الأحول، توفي سنة ٢٢٣ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٥).
القافة؟ قال: ما أحسنه١.
والأحاديث المتقدمة٢ التي دلت على أن الولد يأخذ الشبه من الأم تارة، ومن الأب تارة، تدل على صحة هذا القول.
فإن الحكم بالقافة إنما هو حكم٣ بالشبه، وقد تقدم في ذلك حديث عائشة، وأم سلمة٤، وأنس بن مالك٥، وثوبان٦، وعبد الله بن سلام٧، وكون الأم يمكن معرفتها يقينًا - بخلاف الأب - لا يدل على أن القافة لا تعتبر في حق المرأتين؛ لأنا إنما نستعملها عند عدم معرفة الأم، ولا يلزم من عدم استعمالها عند تيقن معرفة الأم عدم استعمالها عند الجهل بها، كما أنا إنما نستعملها في حق الرجلين عند عدم تيقن الفراش، لا عند تيقنه.
وأما كون داود وسليمان لم يعتبراها؛ فإما ألا يكون ذلك٨ شريعة لهما، وهو الظاهر، إذ لو كان ذلك شرعًا لدعيا القافة للولد.
وإما أن تكون القافة مشروعة في تلك الشريعة، لكن في حق
(١) انظر: المغني (٨/ ٣٨١)، الشرح الكبير (١٦/ ٣٤٣).
(٢) من قول المؤلِّف "لمن يقول بالقافة هما روايتان عن أحمد ووجهان لأصحاب الشافعي مبنيان ... " إلى قوله هنا "الأحاديث المتقدمة" ساقطة من "هـ".
(٣) في "أ": "إنَّما يتوهم بالشبه".
(٤) تقدم تخريجه ص (٥٨٣). وحديث عائشة تقدم ص (٥٨٤).