والأحاديث المتقدمة٢ التي دلت على أن الولد يأخذ الشبه من الأم تارة، ومن الأب تارة، تدل على صحة هذا القول.
فإن الحكم بالقافة إنما هو حكم٣ بالشبه، وقد تقدم في ذلك حديث عائشة، وأم سلمة٤، وأنس بن مالك٥، وثوبان٦، وعبد الله بن سلام٧، وكون الأم يمكن معرفتها يقينًا - بخلاف الأب - لا يدل على أن القافة لا تعتبر في حق المرأتين؛ لأنا إنما نستعملها عند عدم معرفة الأم، ولا يلزم من عدم استعمالها عند تيقن معرفة الأم عدم استعمالها عند الجهل بها، كما أنا إنما نستعملها في حق الرجلين عند عدم تيقن الفراش، لا عند تيقنه.
وأما كون داود وسليمان لم يعتبراها؛ فإما ألا يكون ذلك٨ شريعة لهما، وهو الظاهر، إذ لو كان ذلك شرعًا لدعيا القافة للولد.
وإما أن تكون القافة مشروعة في تلك الشريعة، لكن في حق
(١) انظر: المغني (٨/ ٣٨١)، الشرح الكبير (١٦/ ٣٤٣).
(٢) من قول المؤلِّف "لمن يقول بالقافة هما روايتان عن أحمد ووجهان لأصحاب الشافعي مبنيان ... " إلى قوله هنا "الأحاديث المتقدمة" ساقطة من "هـ".
(٣) في "أ": "إنَّما يتوهم بالشبه".
(٤) تقدم تخريجه ص (٥٨٣). وحديث عائشة تقدم ص (٥٨٤).
(٥) تقدم تخريجه ص (٥٨٥).
(٦) تقدم تخريجه ص (٥٨٤).
(٧) تقدم تخريجه ص (٥٨٥).
(٨) في "و": "لأن كون".
الرجلين، كما هو أحد القولين في شريعتنا١، وحينئذٍ فلا كلام.
وإما أن تكون مشروعة مطلقًا، ولكن أشكل على نبي الله أمر الشبه بحيث لم يظهر له، وأن القائف لا يعلم الحال في كل صورة، بل قد يشتبه عليه كثيرًا.
وعلى كل تقدير، فلا حجة في القصة على إبطال حكم القافة في شريعتنا، والله أعلم.
بل قصة٢ داود وسليمان صريحة في إبطال إلحاق الولد بأُمَّين، فإنه لم يحكم به نبي من النبيين الكريمين - صلوات الله عليهما وسلامه - بل اتفقا على إلغاء هذا الحكم، فالذي دلت عليه قصتهما لا يقولون به، والذي يقولون به غير ما دلت عليه القصة.
فصل
وأما حديث زيد بن أرقم في قصة علي في الولد الذي ادعاه الثلاثة والإقراع بينهما، فهو حديث مضطرب جدًّا٣، كما تقدم ذكره٤.
(١) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٥٠٧)، الحاوي الكبير (١٧/ ٣٩٦)، المغني (٨/ ٣٨١)، الشرح الكبير (١٦/ ٣٤٣)، المبسوط (١٧/ ٧١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٤٤)، البحر الرَّائق (٤/ ٢٤٤).
(٢) في "و": "قضية".
(٣) سيذكر المؤلِّف قريبًا من تكلَّم في الحديث. وممَّن قال باضطراب الحديث: أبو حاتم كما ذكره ابنه عنه في العلل (١/ ٤٠٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٤٥)، وذكر ابن رجب - رحمه الله تعالى - أنَّه أفرد هذا الحديث في جزء. انظر: القواعد (٣/ ٢٣٦).