الطرق الحكمية

اشتركوا في البذر، فإذا فاز أحدهم بالزرع كان من العدل أن يضمن لصاحبيه ثلثي القيمة، والدية قيمة الولد شرعًا، فلزمه ضمان ثلثيها لصاحبيه، إذ الثلثان عوض ثلثي الولد الذي استبد به دونهما، مع اشتراكهما في سبب حصوله.

وهذا أصح من كثير من الأحكام التي يثبتونها بآرائهم وأقيستهم، والمعنى فيه أظهر.

وقد اعتبر الصحابة ﵃ مثل ذلك في ولد المغرور، حيث حكموا بحريته، وألزموا الواطئ فداءه بمثله لما فوت رقه على سيد الأمة١، هذا مع أنه لم يوجد من سيدها هناك وطء يكون منه ولد، بل الزوج وحده هو الواطئ، ولكن لما كان الولد تابعًا لأمه في الرق كان بصدد أن يكون رقيقًا لسيدها، فلما فاته ذلك - بانعقاد الولد حرا من أمته - ألزموا الواطئ بأن يغرم له نظيره، ولم يلزموه بالدية؛ لأنه إنما فوت عليه رقيقًا، ولم يفوت عليه حرًّا، وفي قصة علي٢ ﵁ كان الذي فوته الواطئ القارع حرًّا، فلزمه حصة صاحبيه من الدية ولو كان واحدًا لزمه نصف الدية.

فهذا أحسن وجوه الحديث، فإن كان صحيحًا عن رسول الله ﷺ

  1. (١) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٦)، عن عمر وعثمان ﵄ كما رواه أيضًا (٤/ ٣٢٠) عن علي ﵁. وانظر: المدونة (٢/ ٢١١)، ونصب الراية (٤/ ١١٠)، الدراية (٢/ ١٧٩)، زاد المعاد (٥/ ٤٣١)، إعلام الموقعين (٢/ ٢٩).
  2. (٢) المتقدم ذكرها ص (٥٩٤).
619

فالقول الصحيح هو القول بموجبه، ولا قول سواه، وبالله التوفيق.

فصل

هذا كلَّه في الحكم بين النَّاس في الدعاوى١.

وأما الحكم بينهم فيما لا يتوقف على الدعوى فهو المسمَّى بالحسبة٢، والمتولي له: والي الحسبة، وقد جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة، كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصَّة، والمتولي لها يسمى والي المظالم، وولاية المال قبضًا وصرفًا بولاية خاصة، والمتولي لذلك يسمى وزيرًا، وناظر البلد، والمتولي لإحصاء المال ووجوهه وضبطه تسمَّى ولايته: ولاية استيفاء، والمتولي لاستخراجه وتحصيله ممن هو عليه تسمى ولايته: ولاية السر، والمتولي لفصل الخصومات، وإثبات الحقوق، والحكم في الفروج٣ والأنكحة والطلاق والنفقات، وصحة العقود وبطلانها هو المخصوص باسم الحاكم والقاضي، وإن كان هذا الاسم يتناول كل حاكم بين اثنين وقاض بينهما، فيدخل أصحاب هذه الولايات جميعهم تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ

  1. (١) في "أ": "الدعوى".
  2. (٢) الحسبة بكسر الحاء وهي شرعًا: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (٣١٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (٢٨٤)، ونصاب الاحتساب (٨٢).
  3. (٣) في "أ": "التزوج".
620

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي