والمقصود: أنَّ الحكم بين النَّاس في النوع الَّذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة.
وقاعدته وأصله: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الَّذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة، وفضّلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للنَّاس٢، وهذا واجبٌ على كلِّ مسلم قادر، وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين على القادر الَّذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان٣، فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإنَّ مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"٤.
= وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في هداية الرواة (٣/ ٤٧٧)، وانظر: العلل لابن المديني (١٥٧)، كما حسَّنهُ البغوي في شرح السنَّة (١٠/ ٩٢)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٦٩).
(١) رواه مسلم رقم (١٨٢٧) (١٢/ ٤٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) رواه البخاري رقم (٧٢٨٨) (١٣/ ٢٦٤)، ومسلم رقم (١٣٣٧) (٩/ ١٠٨) =
وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل صاحب الديوان الَّذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الَّذي وظيفته إخبار ولي الأمر بالأحوال١، ومنهم من يكون بمنزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه العدل، مثل الأمير والحاكم والمحتسب.
ومدار الولايات كلها على الصدق في الإخبار، والعدل في الإنشاء، وهما قرينان٢ في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلً﴾[الأنعام: ١١٥]، وقال النبي ﷺ لما ذكر الأمراء الظلمة: "مَنْ صَدَّقَهُمْ بكَذِبِهم، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وِأَنَا مِنْهُ وَسَيَردُ عَلَيَّ الحَوْضَ"٣، وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى
= من حديث أبي هريرة ﵁.
(١) في "أ": "بالأقوال".
(٢) في "أ": "قرينتان".
(٣) "ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو منِّي، وأنا منه وسيرد علي الحوض" ساقطة من "ب". والحديث رواه عبد الرزاق (١١/ ٣٤٦)، وأحمد (٣/ ٣٢١)، وعبد بن حميد رقم (١١٣٨)، وابن حبان (٢/ ٣٧٢) رقم (٤٥١٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٣/ ٣٧٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. =