والغالب أنَّهُ لا يوجد الكامل في ذلك، فيجب تحري خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وقد كان الصحابة ﵃ يفرحون بانتصار الروم النصارى على المجوس عُبَّاد النَّار١؛ لأنَّ النصارى أقرب إليهم من أولئك، وكان يوسف الصديق ﵇ نائبًا لفرعون مصر٢، وهو وقومه مشركون، وفعل من الخير والعدل ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان.
فصل
إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها٣ وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حدٌّ في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة والأمكنة ما
= (٤/ ٩٢) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وابن عدي (٣/ ٢١٩)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٤٨)، والبيهقي (١٠/ ٢١٠)، قال الحافظ ابن حجر "ابن عدي والعقيلي والحاكم من حديث ابن عباس .. وفي إسناده حسين بن قيس الرحبي وهو واهٍ، وله شاهد من طريق إبراهيم بن زياد أحد المجهولين عن خصف عن عكرمة .. " ا. هـ. الدراية (٢/ ١٦٥)، وانظر: نصب الراية (٤/ ٦٢)، والترغيب والترهيب (٣/ ١٣٥)، وقال العقيلي: "يروى من كلام عمر بن الخطاب" ا. هـ. كما ذكر المؤلِّف، وانظر: الدراية (٢/ ١٦٥)، ونصب الرَّاية (٤/ ٦٢).
(١) كما عند أحمد (١/ ١٧٦ - ٣٠٤)، والترمذي (٣١٩٣)، والنسائي في الكبرى (١٣٣٨٩)، والحاكم (٢/ ٤١٠).
(٢) كما ذكرهُ الله تعالى في سورة يوسف الآيات (٥٤) وما بعدها.
(٣) انظر: الحسبة (٤٧) معين الحكام (١١ و١٧٣ و١٧٩)، والسياسة الشرعية لدده أفندي ص (١٠٥)، والسياسة الشرعية لابن نجيم (٣٤).
يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة، وولاية المال، وجميع هذه الولايات في الأصلِ ولايات دينية، ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات، وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار العادلين، ومن حكمَ فيها بجهلٍ وظلم، فهو من الظالمين المعتدين، و﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤﴾[الانفطار: ١٣، ١٤].
فولاية الحرب في هذه الأزمنة، وهذه البلاد الشامية والمصرية وما جاورها، تختص بإقامة الحدود من القتل والقطع والجلد، ويدخل فيها الحكم في دعاوى التهم التي ليس فيها شهود ولا إقرار، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وإقرار، من الدعاوى التي تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أربابها، والنظر في الأبضاع والأموال التي ليس لها ولي معيَّن، والنظر في حال نظار الوقوف١، وأوصياء اليتامى، وغير ذلك.
وفي بلادٍ أخرى - كبلاد الغرب - ليس لوالي الحرب مع القاضي حكم في شيء، إنَّما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء.
وأمَّا ولاية الحسبة فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، فعلى متولي الحسبة أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب