من لم يصل بالضرب والحبس، وأمَّا القتل فإلى غيره، ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرَّط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به، واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والقاضي١.
واعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة أهم من كلِّ شيء، فإنَّها عماد الدَّين، وأساسه وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: "إنَّ أهم أمركم عندي الصلاة ومن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشدَّ إضاعة"٢.
ويأمر بالجمعة والجماعة، وأداء الأمانة والصدق، والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة، وتطفيف المكيال والميزان، والغش٣ في الصناعات والبياعات، ويتفقد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الَّذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرم على الإطلاق، كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات، ويمنع٤ صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقد النَّاس
(١) انظر: الحسبة (٤٨).
(٢) رواه مالك (١/ ٦)، وفي المدونة (١/ ٥٦)، والبيهقي (١/ ٦٥٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٩٣)، والأثر جاء في الموطأ بإسنادٍ منقطع؛ لأن نافعًا لم يلقَ عمر، ولكن جاء في المدونة: عن نافع عن ابن عمر فيكون الإسناد متصلًا والحمد لله، وانظر: الاستذكار (١/ ٢٣٥)، تنوير الحوالك (١/ ٢٤).
(٣) في "د": "والغبن".
(٤) في "ب": "ويمنع المحرم".
وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا١، فإنَّه بذلك يدخل على النَّاس من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، بل الواجب أن تكون النقود رءوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا منع من اختلاطه بما أذن في المعاملة به٢.
ومعظم ولايته وقاعدتها الإنكارُ على هؤلاء الزغلية، وأرباب الغش في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، فإنَّ هؤلاء يفسدون مصالح الأُمَّة، والضرر بهم عامٌّ لا يمكن الاحتراز منه، فعليه ألَّا يهمل أمرهم، وأن ينكل بهم أمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبته، فإنَّ البلية بهم عظيمة، والمضرة بهم شاملة ولا سيما هؤلاء الكيماويين الَّذين يغشون النقود والجواهر والعطر والطيب وغيرها، يضاهئون بزغلهم وغشهم خلق الله، والله تعالى لم يخلق شيئًا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه، قال تعالى - فيما حكى٣ عنه رسوله ﷺ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً"٤.
ولهذا كانت المصنوعات - كالطبائخ والملابس والمساكن - غير مخلوقة إلَّا بتوسط النَّاس، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ٤١ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ٤٢﴾[يس: ٤١، ٤٢]، وقال