ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق أو في القرية بأجرةٍ معيَّنة على ألَّا يبيع أحد غيره، فهذا ظلمٌ حرام على المؤجر والمستأجر، وهو نوع من أخذ أموال النَّاس قهرًا وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعًا، فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته، كما حجر على النَّاس فضله ورزقه١.
فصل
ومن ذلك٢: أن يلزم النَّاس ألَّا يبيع الطعام أو غيره٣ من الأصناف٤ إلَّا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلَّا لهم، ثمَّ يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرضِ والفساد، والظلم الَّذي يحبس٥ به قطر السَّماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألَّا يبيعوا إلَّا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلَّا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحدٍ من العلماء٦؛ لأنَّه إذا
(١) انظر: الفروع (٤/ ٥٤).
(٢) انظر: الحسبة (٦٨)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٠).
(٣) في "د": "ولا غيره".
(٤) "من الأصناف" ساقطة من "هـ".
(٥) في "د": "لا يحبس".
(٦) الحسبة (٦٨).
منع١ غيرهم أن٢ يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا كان ذلك ظلمًا للنَّاس ظلمًا٣ للبائعين الَّذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم.
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم بالعدلِ، ومنعهم من الظلم، وهذا كما أنَّه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حقٍّ، فيجوز أو يجب الإكراهُ عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء في ملك الغير، فإنَّ لرب الأرضِ أن يأخذه بقيمة المثل٤، ومثل الأخذ بالشفعة، فإنَّ للشفيع أن يتملك الشقص٥ بثمنه قهرًا، وكذلك السراية٦ في العتق، فإنَّها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرًا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرًا، وكل من وجب عليه شيءٌ من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - لحجًّ٧ أو
(١) هكذا في النسخ. ولعلَّ الصواب "لأنَّه منع" ليستقيم المعنى.
(٢) "أنَّ" مثبتة من "أ" و"جـ".
(٣) "ظلمًا" ساقطة من "أ".
(٤) انظر: الأموال لأبي عبيد (٢٩٩) الأموال لابن زنجويه (٢/ ٦٣٩ و٦٤٣)، الخراج ليحيى بن آدم (٩٥)، التفريع (٢/ ٢٨٢)، القواعد لابن رجب (١٤٩)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٢٤)، تهذيب السنن (٥/ ٦٤)، مختارات من الفتاوى للسعدي (٣٦٠).
(٥) الشِّقْص بكسر السين: الطائفة من الشيء. التوقيف (٣٤٣)، المطلع (٢٧٨)، طلبة الطلبة (٨٦)، النظم المستعذب (٢/ ٢٩).