فيها١ من التواطؤ على إغلاء الأجرة، فمنع البائعين الَّذين تواطئوا على ألَّا يبيعوا إلَّا بثمن قدروه٢ أولى وأحرى.
وكذلك يمنع المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم، لما في ذلك من ظلم البائع.
وأيضًا٣؛ فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطئوا على أن يهضموا٤ ما يشترونه، فيشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعوا٥ ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة = كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾[المائدة: ٢]، ولا ريب أن هذا أعظم إثمًا وعدوانًا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش.
فصل
ومن ذلك: أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك٦.
(١) في "د" و"و": "فيه"، وفي "هـ": "فيهم".
(٢) في "د" و"هـ" و"و": "قدره"، وفي "جـ": "مقدر".
(٣) انظر: الحسبة (٧٠)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣١).
ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد١ والشافعي٢: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها.
وكان النبي ﷺ يتولى أمر ما يليه بنفسه٣، ويولي فيما بعد عنه، كما ولَّى على مكة: عتاب بن أسيد٤، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص الثقفي٥، وعلى قرى عرينة: خالد بن سعيد بن العاص٦، وبعث عليًّا٧ ومعاذ بن جبل٨ وأبا موسى الأشعري إلى اليمن٩، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية١٠،
(١) انظر: الحسبة (٧١)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٩٤)، الآداب الشرعية (٣/ ٥٢٥).
(٢) انظر: روضة الطالبين (١٠/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (٤/ ٢١٣)، نهاية المحتاج (٨/ ٥٠)، قواعد الأحكام (٢/ ٥٩)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٢).
(٣) "بنفسه" ساقطة من "أ".
(٤) في "أ": "بن أبي أسيد". وانظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٦٩).
(٥) انظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٦٩)، الإصابة (٢/ ٤٥٣).
(٦) انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٧٢)، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٦٠).
(٧) رواه البخاري (٧/ ٦٦٣) رقم (٤٣٤٩) من حديث البراء ﵁.
(٨) رواه البخاري رقم (٤٣٤٤)، ومسلم (١٣/ ١٨١) رقم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى ﵁.
(٩) رواه البخاري (٧/ ٦٦٠)، رقم (٤٣٤٤)، ومسلم (١٣/ ١٨١) رقم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى ﵁.
(١٠) رواه البخاري رقم (١٥٠٠)، ومسلم (١٨٣٢) (١٢/ ٤٦٠) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁. وانظر: سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٧)، الإصابة (٢/ ٤٥٣).