ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد١ والشافعي٢: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها.
وكان النبي ﷺ يتولى أمر ما يليه بنفسه٣، ويولي فيما بعد عنه، كما ولَّى على مكة: عتاب بن أسيد٤، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص الثقفي٥، وعلى قرى عرينة: خالد بن سعيد بن العاص٦، وبعث عليًّا٧ ومعاذ بن جبل٨ وأبا موسى الأشعري إلى اليمن٩، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية١٠،
(١) انظر: الحسبة (٧١)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٩٤)، الآداب الشرعية (٣/ ٥٢٥).
(٢) انظر: روضة الطالبين (١٠/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (٤/ ٢١٣)، نهاية المحتاج (٨/ ٥٠)، قواعد الأحكام (٢/ ٥٩)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٢).
(٣) "بنفسه" ساقطة من "أ".
(٤) في "أ": "بن أبي أسيد". وانظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٦٩).
(٥) انظر: سيرة ابن هشام (٤/ ٦٩)، الإصابة (٢/ ٤٥٣).
(٦) انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٧٢)، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٦٠).
(٧) رواه البخاري (٧/ ٦٦٣) رقم (٤٣٤٩) من حديث البراء ﵁.
(٨) رواه البخاري رقم (٤٣٤٤)، ومسلم (١٣/ ١٨١) رقم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى ﵁.
(٩) رواه البخاري (٧/ ٦٦٠)، رقم (٤٣٤٤)، ومسلم (١٣/ ١٨١) رقم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى ﵁.
(١٠) رواه البخاري رقم (١٥٠٠)، ومسلم (١٨٣٢) (١٢/ ٤٦٠) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁. وانظر: سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٧)، الإصابة (٢/ ٤٥٣).
فيأخذونها١ ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه.
فصل
وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في "الصحيحين"٢ عن أبي حميد الساعدي "أنَّ النبي ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا من الأَزْدِ، يُقال له: ابن اللُّتبيَّةِ٣ على الصدقات، فلمَّا رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ٤، فقال النبي ﷺ: "مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا الله، فيقولُ: هَذَا لَكُمْ، وهذَا أُهْدِيَ إِليَّ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بيتِ أَبيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِليهِ أَم لا؟ والَّذي نَفْسِي بيدِهِ، لا نَسْتَعْمِلُ رَجُلًا عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللهُ فَيَغِل٥ منهُ شيئًا إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَة يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إن كانَ بَعِيْرًا لَهُ رُغَاءٌ٦، وإِنْ كَانَ بَقَرَةً لَهَا خُوَار٧، وإِنْ كانَتْ
(١) في باقي النسخ عدا "أ" و"جـ": "فيأخذونه".
(٢) البخاري رقم (٧١٧٤) (١٣/ ١٧٥)، ومسلم رقم (١٨٣٢) (١٢/ ٤٦٠).
(٣) عبد الله بن اللتبية بن ثعلبة الأزدي. انظر: الإصابة (٢/ ٣٥٥)، واللتبية أمه. فتح الباري (١٣/ ١٧٦).
(٤) في "أ": "وهذا لي".
(٥) كل من خان في شيء خفية فقد غلَّ. النهاية (٣/ ٣٨٠).
(٦) الرغاء: بضم الرَّاء صوت البعير. فتح الباري (١٣/ ١٧٧).
(٧) الخوار: بضم الخاء صوت البقر. فتح الباري (١٣/ ١٧٨)، النهاية (٢/ ٨٧).