على العدلِ من الجانبين، وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات، والمشاركة العادلة هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلمًا١.
فهذا هو الَّذي نهى عنه النبي ﷺ، كما قال الليث بن سعد: الَّذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمرٌ إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه علم أنَّه لا يجوز، وأمَّا ما فعله ﷺ وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه٢.
فصل
وقد ظنَّ طائفةٌ من النَّاس٣ أنَّ هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها.
ثمَّ منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة٤ استحسانًا للحاجة؛ لأنَّ الدراهم لا تؤجر، كما يقوله أبو حنيفة٥.
ومنهم من أباح المساقاة إمَّا مطلقًا، كقول مالك١ والشافعي في القديم٢، أو على النخل والعنب خاصَّة، كالجديد له٣؛ لأنَّ الشجر لا تمكن إجارته، بخلاف الأرض، وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعًا للمساقاة.
ثُمَّ منهم من قدَّر ذلك بالثلث، كقول مالك٤.
ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب، كقول الشافعي٥.
وأمَّا جمهور السلف والفقهاء٦، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء، بل من باب المشاركات، التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة، فإنَّ هذا مقصوده العمل، وهذا
(٤) أي إن كان مع الشجر أرضٌ بيضاء فإن كان البياض أكثر من الثلث لم يجز أن يدخل مع المساقاة وإن كان الثلث أو أقل جاز. انظر: القوانين (٢٨٥)، المعونة (٢/ ١١٣٤)، التفريع (٢/ ٢٠٢)، الذخيرة (٦/ ١٠٧).
(٥) انظر: المنهاج مع شرحه مغني المحتاج (٢/ ٣٢٤)، رحمة الأمة (١٨٣).