قال شيخ الإسلام ابن تيمية١: وما علمت أحدًا من علماء الإسلام - الأئمة الأربعة٢ ولا غيرهم - قال: إجارة الإقطاع لا تجوز، وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم٣ قرنًا بعد قرن، من الصحابة إلى زمننا هذا، حتَّى أحدث بعض أهل زماننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع٤، وشبهته أنَّ المقطَع لا يملك المنفعة٥، فيصير كالمستعير، لا يجوز أن يكري الأرض المعارة.
وهذا القياس خطأ من وجهين:
أحدهما: أنَّ المستعير لم تكن المنفعة حقًّا له، وإنَّما تبرع المعير بها، وأمَّا أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم
(٥) المرجع السابق (٣/ ١٩٠)، وتحفة المحتاج (٦/ ٢٠٥).
بينهم حقوقهم، ليس متبرعًا لهم كالمعير. والمقطَع مستوفي١ المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف - وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح٢ - فلأن يجوز للمقطَع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى٣.
الثاني: أنَّ المعيرَ لو أذنَ في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطَع في الإجارة، فإنَّه إنَّما أقطعهم لينتفعوا بها إمَّا بالمزارعة٤، وإمَّا بالإجارة، ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسدَ على المسلمين دينهم ودنياهم، وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين، وفي ذلك من الفساد ما فيه.
وأيضًا؛ فإن الإقطاع قد يكون دورًا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطَع إلا بالإجارة، فإذا لم تصح إجارة الإقطاع عطلت منافع ذلك بالكلية، وكون الإقطاع معرضًا لرجوع الإمام فيه مثل كون الموهوب للولد معرضًا لرجوع الوالد فيه، وكون الصداق قبل الدخول معرضًا لرجوع
(١) في "أ" و"ب": "فالمقطع يستوفي".
(٢) انظر: الإنصاف (١٤/ ٣٤٥)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٢٥٣)، الشرح الكبير (١٤/ ٣٤٦) مع الإنصاف، بلغة السالك (٤/ ٥٤)، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية (٢/ ٩٧).
(٣) "على الصحيح فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته" ساقطة من "أ" و"هـ".